ترجمات - تواجه عشرات الدول الفقيرة والهشة مرحلة جديدة تتسم بتراجع المساعدات الخارجية، في وقت تتقلص فيه مساهمات عدد من أكبر المانحين التقليديين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، بينما تتجه دول مانحة أخرى إلى إعادة توجيه جزء من إنفاقها نحو الدفاع والاحتياجات الداخلية.
ويضع هذا التحول نحو 60 دولة تعاني ضعفًا مؤسسيًا واقتصاديًا أمام تحديات متزايدة، بعدما اعتمدت لعقود على مساعدات الحكومات الغربية والأمم المتحدة والبنك الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف لتمويل قطاعات أساسية، من الصحة والتعليم إلى البنية التحتية والاستجابة للأزمات.
وبحسب الطرح الذي قدمه إيغوسا إي. أوساغي، المدير العام للمعهد النيجيري للشؤون الدولية، فإن أزمة المساعدات الحالية لا تعني فقط خسارة مصدر مهم للتمويل، وإنما تكشف أيضًا محدودية نموذج التنمية الذي أبقى الدول الهشة مرتبطة بدرجة كبيرة بإرادة الجهات المانحة.
تراجع المساعدات يفتح فجوة تمويلية واسعة
شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا في المساعدات الدولية، مع تقليص الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، جزءًا كبيرًا من برامجها ومساهماتها التنموية والإنسانية، بالتوازي مع خفض دول غربية أخرى إنفاقها الخارجي.
ويشير الطرح إلى أن هذا التحول انعكس سريعًا على برامج التنمية والمساعدات، في ظل إغلاق أو تعليق آلاف المشروعات، وتراجع مساهمات واشنطن في عدد من المؤسسات والوكالات الدولية.
ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة، إذ خفضت دول أوروبية عدة مساعداتها وقروض التنمية، مع إعطاء أولوية أكبر للإنفاق الدفاعي والاحتياجات المحلية.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه الدول الفقيرة بحاجة إلى تمويل خارجي واسع لمواجهة أزمات الغذاء والصحة والفقر وضعف البنية التحتية، ما يهدد بتوسيع الفجوة بين احتياجات هذه الدول والموارد المتاحة لها.
المساعدات حققت مكاسب.. لكنها لم تبنِ دولًا قوية
ورغم الانتقادات الموجهة إلى نموذج المساعدات، فإن الدور الذي لعبته خلال العقود الماضية لا يمكن تجاهله، إذ ساعدت برامج التمويل الخارجي في توفير الخدمات الأساسية لملايين الأشخاص ودعم الحكومات في مواجهة الأزمات الإنسانية والصحية.
إلا أن المشكلة، وفق هذا الطرح، تتمثل في أن الاعتماد المستمر على المساعدات لم يتحول في كثير من الحالات إلى قدرة ذاتية على تحقيق النمو الاقتصادي وبناء مؤسسات قوية.
وبدلًا من ذلك، أصبحت بعض الدول المتلقية عرضة لتغير أولويات القوى المانحة، وهو ما ظهر بوضوح مع موجة خفض المساعدات الحالية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نموذج مختلف يقوم على تعبئة الموارد المحلية وتعزيز قدرة الدولة على توليد الإيرادات والاستثمار والتجارة.
الثروات المعدنية.. فرصة اقتصادية ضخمة
تمتلك العديد من الدول الهشة ثروات طبيعية ضخمة يمكن أن تمثل مصدرًا بديلًا للإيرادات إذا جرى استغلالها بصورة شفافة وفعالة.
وتشمل هذه الدول أفغانستان وأنغولا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون وناميبيا ونيجيريا وتنزانيا، التي تمتلك احتياطيات من معادن استراتيجية مثل الكوبالت والليثيوم والروديوم والديسبروسيوم.
وتبرز جمهورية الكونغو الديمقراطية بصورة خاصة بسبب احتياطياتها الكبيرة من الكولتان والكوبالت، إلى جانب الذهب والنحاس والقصدير.
لكن تحويل هذه الثروات إلى محرك للنمو يتطلب أكثر من مجرد استخراجها، إذ تحتاج الدول إلى تحديث المسوحات الجيولوجية، واعتماد تقنيات تعدين وتكرير أكثر تطورًا، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتعزيز الرقابة على القطاع.
كما أن مكافحة الفساد والتعدين غير المشروع تمثل عنصرًا أساسيًا، حتى لا تتحول الإيرادات الجديدة إلى مصدر لإثراء النخب السياسية والاقتصادية بدلًا من استخدامها في بناء مؤسسات الدولة وتمويل الخدمات العامة.
الموارد الطبيعية كسلاح تفاوضي
لا تقتصر أهمية المعادن على الإيرادات المباشرة، إذ يمكن للدول الغنية بالموارد استخدامها أيضًا لتعزيز قدرتها التفاوضية مع الدول الصناعية.
فمع تزايد الطلب العالمي على المعادن الحيوية المستخدمة في التكنولوجيا والطاقة والصناعات المتقدمة، يمكن للدول النامية استغلال موقعها كمورد رئيسي للحصول على اتفاقيات تجارية واستثمارية أكثر فائدة.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف على قدرة الحكومات على إدارة مواردها بصورة مستقلة وشفافة، ومنع تحول الثروات الطبيعية إلى وسيلة جديدة للتبعية الخارجية.
تحويلات المغتربين.. مصدر تمويل يتجاوز المساعدات
إلى جانب الموارد الطبيعية، تمتلك الدول الهشة موردًا آخر لا يحظى دائمًا بالاهتمام الكافي، يتمثل في الأموال التي يرسلها مواطنوها المقيمون في الخارج.
وبحسب الطرح، وصلت تحويلات المغتربين إلى أفريقيا خلال عام 2025 إلى نحو 100 مليار دولار، فيما تجاوزت تحويلات النيجيريين وحدهم 23 مليار دولار.
وفي بعض الدول منخفضة الدخل، تمثل التحويلات نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية وتمويل الأسر.
وقد أثبتت هذه التدفقات أهميتها خلال الأزمات، إذ ساعدت ملايين الأسر على مواجهة آثار جائحة كورونا والصدمات الاقتصادية.
لكن معظم هذه الأموال يذهب مباشرة إلى الأسر لتغطية احتياجات المعيشة، بينما تستفيد الحكومات منها بصورة محدودة في تمويل التنمية والاستثمار.
من تحويلات الأسر إلى استثمارات إنتاجية
ويتمثل التحدي، وفق الرؤية المطروحة، في تحويل جزء من هذه التدفقات إلى استثمارات طويلة الأجل دون الإضرار بوظيفتها الاجتماعية.
وتقدم نيجيريا نموذجًا يمكن البناء عليه، من خلال إنشاء مؤسسات معنية بشؤون مواطنيها في الخارج وإصدار سندات موجهة إلى المغتربين، بهدف توجيه جزء من مدخراتهم نحو مشروعات البنية التحتية والاستثمارات المحلية.
ولا يقتصر الأمر على الأموال، إذ يمكن للمغتربين أيضًا نقل الخبرات والمهارات التقنية في مجالات مثل التكنولوجيا والطب والزراعة.
ولهذا يمكن للحكومات إنشاء حاضنات أعمال وبرامج تدريب واستثمارات مشتركة، وتشجيع أصحاب المهارات العالية على العودة المؤقتة أو الدائمة للمساهمة في تطوير اقتصادات بلدانهم.
الصين وروسيا والهند.. بدائل محدودة للمساعدات الغربية
في ظل تراجع المساعدات الغربية، تتجه الدول النامية بصورة متزايدة إلى البحث عن شركاء آخرين، وعلى رأسهم الصين والهند وروسيا.
وقد وسعت الصين حضورها التنموي عبر مبادرة الحزام والطريق، التي تعتمد بدرجة كبيرة على القروض وعقود البناء والتجارة والاستثمارات المدعومة من الدولة.
لكن هذا النموذج يختلف عن المساعدات والمنح الغربية التقليدية، كما أنه يثير مخاوف بشأن مستويات الدين والشفافية وشروط التمويل.
أما الهند، فتعتمد بصورة أكبر على القروض والشراكات المرتبطة بالوصول إلى الموارد والأسواق، بينما تركز روسيا بدرجة أكبر على الاستثمارات ذات الأهداف الجيوسياسية وتأمين مصالحها في قطاعات استراتيجية، خصوصًا في الدول الغنية بالموارد الطبيعية.
وبالتالي، فإن التحول نحو هذه القوى لا يمثل بالضرورة بديلًا كاملًا عن المساعدات الغربية، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى شكل جديد من أشكال الاعتماد الخارجي.
الجوار الإقليمي كخط دفاع جديد
في مواجهة تراجع التمويل الخارجي، يمكن للدول الهشة الاعتماد بدرجة أكبر على محيطها الإقليمي.
فالاستقرار في الدول المجاورة يمثل مصلحة مباشرة للحكومات، لأن انهيار دولة واحدة يمكن أن يؤدي إلى انتقال الصراعات والجريمة والهجرة غير النظامية والأزمات الاقتصادية إلى الدول المحيطة بها.
ومن هنا تبرز أهمية المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي، ومجموعة شرق أفريقيا، والجماعة الكاريبية ورابطة دول جنوب شرق آسيا.
وقد لعبت هذه المؤسسات أدوارًا في دعم الحكومات الهشة، ومواجهة الأزمات السياسية، وتعزيز التجارة والأمن والصحة والتنمية.
كما يمثل اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية فرصة لتوسيع التجارة البينية، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، وخلق مساحة اقتصادية أكبر أمام الدول الأفريقية.
ويتوقع البنك الدولي أن يؤدي المشروع إلى زيادة الدخل في أنحاء أفريقيا بأكثر من 450 مليار دولار بحلول عام 2035، وفق المعطيات الواردة في المقال.
المؤسسات الإقليمية تواجه تحديات
لكن التعاون الإقليمي لا يخلو من العقبات.
وتُظهر تجربة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا أن المؤسسات الإقليمية قد تواجه صعوبة في التعامل مع الانقلابات والأزمات السياسية، بل إن العقوبات والضغوط قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية وتدفع الدول المعاقبة إلى الانسحاب من المؤسسات الإقليمية.
ومع ذلك، فإن هذه المؤسسات تظل أداة مهمة للدول الضعيفة، خصوصًا عندما تركز على التجارة والتنمية والأمن الغذائي والصحة وتغير المناخ بدلًا من الاقتصار على إدارة الأزمات السياسية.
مرحلة جديدة للدول الهشة
لا يعني تراجع المساعدات أن المساعدات الخارجية فقدت أهميتها. فما زالت الدول الغنية قادرة على لعب دور حاسم في الاستجابة للأزمات الإنسانية والصحة العامة والتحول في مجال الطاقة ودعم المؤسسات متعددة الأطراف.
لكن العودة إلى مستويات المساعدات السابقة تبدو أكثر صعوبة في ظل تغير الأولويات السياسية والاقتصادية لدى الدول المانحة.
وبالتالي، فإن التحدي الأساسي أمام الدول الهشة يتمثل في الانتقال من اقتصاد يعتمد على المساعدات إلى اقتصاد قادر على تعبئة موارده الخاصة.
ويتطلب ذلك إصلاح المؤسسات، ومحاربة الفساد، وتحسين إدارة الثروات الطبيعية، وتنظيم تحويلات المغتربين، وتوسيع التجارة الإقليمية، والاستثمار في رأس المال البشري، إلى جانب بناء علاقات أكثر توازنًا مع القوى الاقتصادية الكبرى.
وفي هذا السياق، لا تبدو استراتيجية الاعتماد على الذات بديلًا عن التعاون الدولي بقدر ما تمثل محاولة لتقليل هشاشة الدول أمام القرارات السياسية للمانحين.
ومع استمرار تراجع المساعدات، تصبح قدرة الدول الفقيرة على تحويل مواردها الطبيعية والبشرية إلى مصادر مستقرة للنمو عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت ستبقى عالقة في دائرة الاعتماد على الخارج، أم ستتمكن من بناء قاعدة اقتصادية ومؤسساتية أكثر استقلالًا.







