تل أبيب - تواجه المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية مفاجأة جديدة بشأن القدرات العسكرية الإيرانية، بعدما أظهرت طهران، وفق تقديرات نقلتها صحيفة جيروزاليم بوست، قدرة أسرع من المتوقع على إعادة بناء منظومتها الصاروخية والصناعية العسكرية، رغم حجم الضربات التي تعرضت لها خلال الحرب التي شهدها مطلع عام 2026.
وبحسب التقرير، فإن حالة القلق لا تقتصر على مستوى محدد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بل تشمل مسؤولين في الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد، في وقت كان الجيش قد خلص في أعقاب الحرب إلى أن الضربات الواسعة التي استهدفت البنية العسكرية والصناعية الإيرانية ستؤدي إلى إضعاف قدرات طهران لسنوات.
لكن بعد نحو أربعة أشهر من انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية، بدأت هذه التقديرات تتغير، مع ظهور مؤشرات على أن إيران تعمل على استعادة جزء مهم من قدراتها، وفي مقدمتها القدرة على إنتاج الصواريخ الباليستية.
ويشير التقرير إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تفاجئ فيها إيران التقديرات الإسرائيلية بشأن سرعة التعافي. فقد سبق أن رصد الجيش الإسرائيلي، بعد ضربات أكتوبر 2024 ثم الهجمات التي وقعت في يونيو 2025، قدرة إيرانية على استعادة معدلات إنتاج الصواريخ بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.
وكانت إسرائيل قد أعلنت بعد هجوم أكتوبر 2024 أنها تمكنت من تعطيل إنتاج الصواريخ الإيرانية لفترة قد تصل إلى عام أو أكثر. إلا أن تقديرات لاحقة أظهرت عودة الإنتاج إلى مستويات مرتفعة، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية في يونيو 2025، واستهداف نحو 100 منشأة مرتبطة بالبرنامج الصاروخي والصناعات العسكرية الإيرانية.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، كانت الترسانة الإيرانية تُقدّر بنحو 1300 صاروخ في يونيو 2025، قبل أن ترتفع إلى نحو 2500 صاروخ بحلول فبراير 2026، وهو تطور عُدّ مؤشراً على قدرة طهران على تجاوز آثار الضربات وإعادة بناء مخزونها بسرعة.
وخلال الحرب التي استمرت نحو 40 يوماً في عام 2026، قالت إسرائيل والولايات المتحدة إنهما استهدفتا أكثر من 2600 موقع مرتبطاً بالمنظومة الصاروخية والصناعات العسكرية الإيرانية، فيما بلغ إجمالي الضربات التي نفذتها الدولتان نحو 30 ألف هجوم، وفق الأرقام التي أوردها التقرير.
ورغم حجم الخسائر التي قدرتها مصادر إسرائيلية بنحو 300 مليار دولار في القطاع العسكري الإيراني، فإن السؤال المطروح داخل المؤسسة الدفاعية لم يعد يتركز فقط على حجم الأضرار التي لحقت بإيران، وإنما على قدرتها على إعادة تشغيل خطوط الإنتاج واستعادة قدراتها في فترة زمنية أقصر من التقديرات السابقة.
تحول في التقييم الإسرائيلي
وتشير المعلومات التي أوردتها الصحيفة إلى أن مسؤولين دفاعيين إسرائيليين باتوا يقرون بأن إيران تتبع أساليب مبتكرة لتسريع إعادة بناء قدراتها الصاروخية، حتى في ظل استمرار تعرض أجزاء واسعة من بنيتها التحتية للدمار.
وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن استخدام إيران معدات هندسية، بينها الجرافات، للوصول مجدداً إلى منشآت صاروخية تحت الأرض وإزالة الأنقاض التي حالت دون الوصول إلى بعض القدرات التي لم تدمرها الضربات بشكل كامل.
إلا أن التطور الأكثر أهمية، وفق التقرير، يتمثل في استئناف إنتاج صواريخ جديدة، وليس فقط إعادة تشغيل مخزونات أو منشآت كانت متوقفة بسبب الأضرار.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، بعدما تحول النقاش داخل دوائرها الأمنية من تقدير عدد الصواريخ الإيرانية المتبقية بعد الحرب إلى قياس سرعة إعادة بناء الترسانة.
وكانت تقديرات سابقة تضع عدد الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى المتبقية بعد الحرب ضمن نطاق يتراوح بين 500 و1000 صاروخ، إلا أن هذه الأرقام قد تصبح أقل أهمية إذا تمكنت طهران من استعادة إنتاجها بوتيرة مرتفعة.
إنتاج قد يصل إلى 300 صاروخ شهرياً
وبحسب السيناريو الذي يناقشه التقرير، فإن عودة إيران إلى إنتاج يتراوح بين 100 و300 صاروخ باليستي شهرياً قد تمكنها من إعادة بناء ترسانتها إلى مستويات يونيو 2025 بحلول أوائل أو منتصف عام 2027.
وفي حال استمرار هذا المسار، قد تستعيد إيران خلال السنوات التالية جزءاً كبيراً من قدرتها على تشكيل تهديد صاروخي واسع النطاق، ما قد يعيد الملف إلى صدارة الحسابات الأمنية الإسرائيلية خلال عامي 2027 و2028.
وهذا التطور يمكن أن يؤثر أيضاً في قرارات إسرائيل المستقبلية بشأن التعامل مع إيران، خصوصاً أن امتلاك طهران قدرة مستدامة على إنتاج الصواريخ قد يفرض على تل أبيب إعادة تقييم توقيت أي تحرك عسكري جديد، بغض النظر عن مسار المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي أو مستقبل الترتيبات الخاصة بمضيق هرمز.
في المقابل، قد تفضل إسرائيل التركيز على الملف النووي، خصوصاً في ظل موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يشير التقرير إلى أنه لا يعطي أولوية مماثلة للتهديد الصاروخي الباليستي، مقارنة بالحد من القدرات النووية الإيرانية.
الجيش الإسرائيلي: نراقب إعادة التأهيل
من جانبه، أكد الجيش الإسرائيلي أنه ألحق خلال الحرب أضراراً كبيرة بمكونات رئيسية من القدرات العسكرية الإيرانية، مشيراً إلى أن الضربات أثرت في قدرة طهران على استخدام بعض قدراتها وإعادة تأهيلها بالمستويات والوتيرة التي كانت قائمة قبل الحرب.
وأوضح الجيش أنه يراقب بصورة مستمرة جهود إيران لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وأن تقييماته يتم تحديثها وفقاً للتطورات الميدانية.
وفي الوقت نفسه، امتنع الجيش عن تقديم أرقام محددة بشأن سرعة إعادة بناء الترسانة الإيرانية، مبرراً ذلك بحساسية المعلومات المرتبطة بالمصادر والأساليب الاستخباراتية.
وبذلك، يبدو أن المعركة المقبلة بين إسرائيل وإيران قد لا تتعلق فقط بقدرة إسرائيل على تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وإنما بمدى قدرة طهران على إعادة بناء تلك القدرات بسرعة، وهو عامل قد يصبح أكثر تأثيراً في الحسابات الاستراتيجية للطرفين خلال السنوات المقبلة.







