وكالات - دفعت بيانات سوق العمل الأميركية الضعيفة مؤشرات الأسهم إلى الارتفاع، في وقت تراجعت فيه عوائد سندات الخزانة والدولار، مع تزايد رهانات المستثمرين على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لن يكون مضطراً إلى رفع أسعار الفائدة في المدى القريب.
وسجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (S&P 500) مستوى قياسياً عند الإغلاق، منهياً أفضل أسبوع له منذ أبريل/نيسان، مدعوماً بالتوقعات المتزايدة بأن ضعف سوق العمل قد يمنح البنك المركزي الأميركي مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الفترة المقبلة.
وجاءت المكاسب في الأسواق بعد بيانات أظهرت أن الاقتصاد الأميركي أضاف وظائف بأقل من المتوقع، بل وسجل انخفاضاً في الوظائف غير الزراعية خلال يوليو/تموز، بالتزامن مع إجراء تعديلات كبيرة بالخفض على بيانات الشهرين السابقين، في مؤشر على أن قوة سوق العمل كانت أضعف مما أظهرتها التقديرات الأولية.
سوق العمل يغير حسابات الفائدة
أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي انخفاض الوظائف في القطاعات غير الزراعية بنحو 23 ألف وظيفة خلال يوليو، بعدما جرى خفض تقديرات مايو/أيار ويونيو/حزيران بإجمالي 103 آلاف وظيفة.
وفي الوقت نفسه، تراجع معدل البطالة إلى 4.1%، مع استمرار انخفاض معدل المشاركة في قوة العمل، بينما تباطأ نمو الأجور، الأمر الذي عزز المخاوف من فقدان سوق العمل زخمه السابق.
وتسببت البيانات في إعادة تسعير توقعات المتعاملين بشأن السياسة النقدية، إذ باتت الأسواق ترى أن احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر/أيلول أقل مما كانت عليه قبل صدور تقرير الوظائف.
ولا تزال أسواق المال تتوقع رفع أسعار الفائدة خلال عام 2026، لكن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الخطوة قد لا تحدث قبل ديسمبر/كانون الأول، في حال استمر التضخم مرتفعاً بما يكفي لدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية.
الدولار يتراجع وعوائد السندات تنخفض
انعكست التحولات في توقعات الفائدة سريعاً على أسواق العملات والسندات، إذ تراجع الدولار أمام معظم العملات الرئيسية، بينما سجلت عوائد سندات الخزانة، ولا سيما الآجال القصيرة، انخفاضاً مع زيادة الطلب عليها.
ويعكس تراجع عوائد السندات تغير توقعات المستثمرين لمسار أسعار الفائدة؛ فكلما انخفضت احتمالات رفع الفائدة، أصبحت السندات القائمة أكثر جاذبية، خصوصاً في الآجال القصيرة الحساسة لتحركات السياسة النقدية.
كما ساهم ضعف الدولار في تعزيز الإقبال على الأصول ذات المخاطر الأعلى، بالتزامن مع صعود مؤشرات الأسهم الأميركية إلى مستويات قياسية.
وقال بريت كينويل من شركة eToro إن تقرير الوظائف جاء ضعيفاً بما يكفي لتخفيف جزء من الضغوط الموجهة إلى الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة، لكنه في الوقت نفسه لم يكن ضعيفاً إلى درجة تشير إلى دخول الاقتصاد الأميركي في مرحلة انهيار.
وأضاف أن التضخم لا يزال يمثل مصدر قلق رئيسياً لصناع السياسة النقدية، إلا أن البيانات الأخيرة قد تمنحهم مبرراً إضافياً للتريث، كما قد تدفع المستثمرين إلى زيادة الإقبال على الأصول ذات المخاطر.
«توازن ضعيف» في سوق العمل
وصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، توم باركين، وضع سوق العمل الأميركي بأنه يقع في حالة من «التوازن الضعيف»، مشيراً إلى أنه ليس ضعيفاً بدرجة كبيرة ولا يعاني في الوقت ذاته من نقص حاد في العمالة.
وقال باركين إن البيانات تتوافق إلى حد كبير مع رؤيته لسوق العمل، مضيفاً أنه لا يرى في الوقت الحالي مؤشرات على ضغوط قوية ناجمة عن نمو الأجور.
وفي المقابل، يرى عدد من مديري الأصول والاستراتيجيين أن تقرير وظائف ضعيفاً واحداً لن يكون كافياً بمفرده لتغيير مسار السياسة النقدية، خصوصاً أن الاحتياطي الفيدرالي يراقب مجموعة واسعة من المؤشرات، وفي مقدمتها التضخم.
التضخم يبقى العامل الحاسم
رغم تأثير بيانات الوظائف في الأسواق، لا تزال بيانات التضخم المنتظر صدورها خلال الفترة المقبلة تمثل العامل الأكثر أهمية في تحديد قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن الفائدة.
وقالت ليندسي روزنر من Goldman Sachs Asset Management إن تباطؤ نمو الوظائف يدعم الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في سبتمبر، لكنها أشارت إلى أن بيانات التضخم ستكون العامل الحاسم في تحديد المسار النهائي للسياسة النقدية.
من جانبها، قالت سيما شاه من Principal Asset Management إن تقرير الوظائف يمنح الأسواق وصناع السياسة بعض الوقت لالتقاط الأنفاس، لكن تأثيره قد يكون مؤقتاً، خصوصاً مع محدودية التوجيهات المستقبلية الصادرة عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
وأضافت أن بيانات التضخم المنتظر صدورها الأسبوع المقبل قد تعيد سريعاً مخاوف رفع الفائدة إلى الواجهة إذا جاءت أعلى من التوقعات.
وفي السياق ذاته، حذرت إيلين زينتنر من Morgan Stanley Wealth Management من أن ارتفاع أرقام التضخم بصورة مفاجئة قد يجعل ضعف سوق العمل غير كافٍ لإسكات الأصوات الداعية إلى رفع أسعار الفائدة داخل الاحتياطي الفيدرالي أو تقليص توقعات السوق بشأن هذه الخطوة.
النفط يتراجع والأسواق تترقب التطورات
وبالتوازي مع تحركات الأسهم والسندات والعملات، شهدت أسعار النفط تراجعاً في التعاملات المتأخرة، بينما استفادت الأسهم أيضاً من تقرير أفاد بأن الولايات المتحدة قد ترفع القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية في حال التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز يسمح باستعادة حركة الشحن.
وتترقب الأسواق خلال الفترة المقبلة صدور مزيد من البيانات الاقتصادية الأميركية، بما في ذلك بيانات جديدة لسوق العمل وقراءات التضخم، قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المرتقب في سبتمبر.
وبذلك، تحولت الأنظار من قوة سوق العمل التي كانت تدعم توقعات تشديد السياسة النقدية إلى احتمال تباطؤه، في وقت يحاول فيه المستثمرون تقدير التوازن بين خطر عودة التضخم واستمرار ضعف التوظيف، وهو ما سيحدد بدرجة كبيرة اتجاه أسعار الفائدة والأسواق المالية خلال الأشهر المقبلة.






