ياسين امين الشكعة - كاتب وأكاديمي فلسطيني
في السياسة، لا تُقاس القيادة بقدرتها على رفع سقف الشعارات فقط، بل بشجاعتها في اتخاذ القرار الصعب عندما تصبح حياة الناس ومستقبلهم على المحك. ومن هذه الزاوية، لا يمكن قراءة الاتفاق الأخير المتعلق بقطاع غزة بمعزل عن انتخاب خليل الحيّة رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس، ولا عن الجهود التي بذلها محمد دحلان لفتح قنوات سياسية ساعدت على تذليل العقبات وتقريب لحظة التوافق.
نحن أمام ثلاثة تطورات متداخلة: قيادة جديدة لحماس تبحث عن تثبيت حضورها وشرعيتها، واتفاق يحاول نقل غزة من مرحلة الحرب والاستنزاف إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء، ودور فلسطيني يقوده دحلان من خارج الأطر الرسمية، مستندًا إلى شبكة علاقات إقليمية ودولية وقدرة على التواصل مع أطراف يصعب جمعها حول طاولة واحدة.
انتخاب الحيّة… قيادة ولدت من قلب التفاوض
جاء انتخاب خليل الحيّة رئيسًا للمكتب السياسي لحماس في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ الحركة. فقدت حماس عددًا من أبرز قادتها، وتعرض بنيانها السياسي والعسكري لضربات قاسية، بينما وجدت نفسها أمام استحقاقات تتجاوز إدارة المواجهة إلى تقرير مستقبل غزة وموقع الحركة في النظام السياسي الفلسطيني.
وليس تفصيلًا عابرًا أن يتولى رئاسة الحركة رجل قاد وفودها التفاوضية خلال الحرب، وامتلك معرفة مباشرة بمواقف الوسطاء وبحدود الخيارات المتاحة. فالحيّة لم يصل إلى القيادة من موقع تنظيمي بعيد عن الأزمة، بل من قلب المفاوضات التي حاولت وقف الحرب ومعالجة ملفات الأسرى والانسحاب والإدارة والسلاح وإعادة الإعمار.
لهذا، يمكن قراءة انتخابه باعتباره محاولة للجمع بين الثبات على هوية الحركة والانتقال إلى قدر أكبر من الواقعية السياسية. فالقيادة الجديدة مطالبة بأن تحافظ على تماسك حماس، لكنها مطالبة أيضًا بالإجابة عن سؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن حماية الشعب الفلسطيني وإنقاذ غزة من استمرار الموت والدمار؟
وقد ظهرت ملامح هذا الاتجاه في حديث الحيّة بعد انتخابه، عندما وضع وقف الحرب، واستعادة الحياة الكريمة في غزة، وتحقيق الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية في مقدمة أولويات المرحلة الجديدة. وهي عناوين لا تلغي الخلافات القائمة، لكنها تكشف إدراكًا بأن ما بعد الحرب لا يمكن أن يُدار بالأدوات التي أديرت بها الحرب نفسها.
الاتفاق… أكثر من معالجة لملف السلاح
الاتفاق الأخير لا ينبغي اختزاله في عناوين إعلامية تتحدث عن «نزع سلاح حماس»، لأن القضية أوسع وأكثر تعقيدًا. ما يجري بحثه هو خريطة طريق متكاملة تربط معالجة السلاح بانسحاب إسرائيلي تدريجي، ونقل إدارة قطاع غزة إلى لجنة وطنية فلسطينية، وتشكيل أجهزة أمن وشرطة فلسطينية، ومعالجة أوضاع الموظفين، وبدء التعافي وإعادة الإعمار.
والفارق جوهري بين نزع السلاح بالقوة لمصلحة الاحتلال، وبين التوصل إلى ترتيبات فلسطينية وطنية تضع السلاح تحت مسؤولية جهة فلسطينية، ضمن مسار سياسي متبادل ومحدد الالتزامات. فالمعادلة المقبولة لا يمكن أن تقوم على تقديم الفلسطينيين جميع التزاماتهم مسبقًا، ثم انتظار انسحاب إسرائيلي قد يحدث أو لا يحدث.
لذلك، فإن قيمة الاتفاق لا تكمن في صياغاته النظرية، بل في قدرته على تثبيت مبدأ التزامن والمعاملة بالمثل: خطوة فلسطينية تقابلها خطوة إسرائيلية واضحة وقابلة للتحقق، وانسحاب يقابله انتقال منظم للمسؤوليات، وترتيبات أمنية تترافق مع فتح المعابر وإدخال المساعدات وبدء الإعمار.
ما أُعلن حتى الآن يمثل اختراقًا مهمًا، لكنه لا يزال بحاجة إلى آليات تنفيذ وضمانات تمنع إسرائيل من استخدام ملف السلاح ذريعة للبقاء في غزة، أو للتحلل من استحقاقات الانسحاب وإعادة الإعمار.
دحلان… دور يتجاوز المواقع الرسمية
هنا يبرز دور محمد دحلان، لا بوصفه مرشحًا لإدارة غزة أو باحثًا عن منصب في اليوم التالي للحرب، بل باعتباره سياسيًا فلسطينيًا استطاع توظيف علاقاته لتقريب مواقف متباعدة.
وبحسب ما كشفه سمير المشهراوي، فإن دحلان أجرى اتصالات مع مسؤولين أميركيين، بالتوازي مع تنسيق مكثف مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، بهدف تذليل العقبات وتوفير ضمانات تساعد على إنجاز الاتفاق. وهذه التحركات لا تعني أن دحلان كان طرفًا رسميًا على طاولة التفاوض، لكنها تؤكد أنه كان حاضرًا في المساحة التي تسبق الطاولة: مساحة بناء الثقة، ونقل الرسائل، واختبار الحلول، والبحث عن صيغ يمكن أن يقبل بها المختلفون.
هذه هي قيمة دحلان في اللحظة الراهنة؛ فهو يمتلك القدرة على مخاطبة الأطراف الإقليمية والدولية بلغتها السياسية، وفي الوقت نفسه يعرف غزة وتركيبتها الاجتماعية والأمنية والوطنية معرفة لا يمكن اكتسابها من التقارير أو غرف التفاوض البعيدة.
كما أن علاقته بمصر تمنحه مساحة للحركة داخل أهم قناة عربية معنية بملف غزة، بينما تتيح اتصالاته الدولية الوصول إلى دوائر القرار الأميركي المؤثرة في تنفيذ الاتفاق والضغط على إسرائيل.
من الخصومة إلى المسؤولية الوطنية
ربما تكون الدلالة الأهم في المشهد أن حماس ودحلان، اللذين وقفا في مراحل سابقة على طرفي خصومة فلسطينية قاسية، يلتقيان اليوم عند ضرورة وقف المأساة وإنقاذ غزة.
لا يعني ذلك أن التاريخ اختفى، أو أن الخلافات السياسية والتنظيمية قد انتهت، لكنه يعني أن المسؤولية الوطنية تفرض على الجميع تجاوز حسابات الماضي عندما يصبح مستقبل مليوني فلسطيني مهددًا.
السياسة الناضجة لا تطلب من الأطراف أن تنسى خلافاتها، بل أن تمنع تلك الخلافات من التحول إلى حكم بالإعدام على شعب بأكمله. ومن هذه الزاوية، فإن انفتاح قيادة حماس الجديدة على الحلول، وتحرك دحلان عبر القنوات المصرية والأميركية، يمثلان نموذجًا لإمكانية بناء مساحة فلسطينية مشتركة، حتى بين قوى لا تتطابق رؤاها.
دحلان لا يحتاج إلى أن يكون عضوًا في وفد تفاوضي حتى يكون مؤثرًا، كما أن تأثيره لا ينبغي أن يُقاس بالحصول على منصب رسمي. أحيانًا يكون الدور الأكثر أهمية هو ذلك الذي يفتح الأبواب المغلقة، ويمنع انهيار التفاهمات، ويحوّل المبادرات من أفكار معلقة إلى مسارات قابلة للتنفيذ.
امتحان القيادة الجديدة
الاتفاق سيكون أول امتحان حقيقي لقيادة خليل الحيّة. فالرئيس الجديد لحماس مطالب بالموازنة بين القاعدة التنظيمية للحركة، ومواقف الفصائل، وشروط الوسطاء، وضغط الاحتلال، والحاجة الإنسانية الملحة لسكان غزة.
والشجاعة هنا لا تعني تقديم تنازل مجاني، كما لا تعني التمسك بمواقف تؤدي إلى استمرار الاستنزاف. الشجاعة السياسية هي اختيار الصيغة التي تحفظ الحقوق الفلسطينية، وتسحب الذرائع من الاحتلال، وتنقل غزة إلى إدارة وطنية، وتفتح أبواب الإعمار والحياة.
وفي المقابل، سيظل الاتفاق بلا قيمة إذا لم يُلزم إسرائيل بالانسحاب، ووقف الاعتداءات، وفتح المعابر، والسماح بإعادة الإعمار، وعدم تحويل المراحل الانتقالية إلى احتلال دائم بصيغة جديدة.
غزة معيار النجاح
في النهاية، لن يحكم الفلسطينيون على الاتفاق من خلال المؤتمرات والتصريحات، بل من خلال نتائجه على الأرض: هل يتوقف القتل؟ هل تنسحب القوات الإسرائيلية؟ هل تدخل اللجنة الوطنية إلى غزة؟ هل يعود النازحون؟ هل تُفتح المعابر؟ وهل يبدأ إعمار البيوت والمستشفيات والمدارس؟
انتخاب قيادة جديدة لحماس، وتحرك محمد دحلان، والتقدم نحو اتفاق شامل، ليست أحداثًا منفصلة، بل أجزاء من لحظة سياسية فلسطينية جديدة. لحظة قد تنتقل فيها الأولوية من إدارة الصراع الداخلي إلى إنقاذ الإنسان، ومن التنافس على السلطة إلى حماية ما تبقى من الوطن.
إذا نجح الاتفاق، فلن يكون انتصارًا لحماس أو لدحلان أو لأي فصيل بمفرده، بل سيكون انتصارًا للدم الفلسطيني على الحسابات الضيقة، وللعقل السياسي على منطق الحرب المفتوحة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الدور الذي يؤديه محمد دحلان: ليس بوصفه رجل المرحلة المفروض على غزة، بل بوصفه سياسيًا أدرك أن أعظم الأدوار في لحظات الكارثة هو صناعة الممكن، عندما يعتقد الآخرون أن جميع الطرق قد أُغلقت.




