القدس المحتلة - مصدر الإخبارية
يركز النقاش الأمني والعسكري في إسرائيل حاليًا على كيفية التعامل مع البنية التحتية الواسعة للأنفاق التابعة لحركة حماس في قطاع غزة، في ظل استمرار العمليات الرامية إلى اكتشاف هذه الشبكة وتدميرها.
ويرى خبراء عسكريون إسرائيليون أن التحدي لا يرتبط فقط بتدمير الأنفاق القائمة، بل بمنع إعادة بنائها مستقبلًا، مؤكدين أن منظومة الأنفاق لم تظهر بعد هجوم السابع من أكتوبر أو خلال حرب غزة عام 2014، وإنما جاءت نتيجة مسار طويل امتد لعقود، بالتوازي مع التحولات الأمنية والسياسية في القطاع.
بداية ظاهرة الأنفاق قبل عقود
وبحسب شهادة ضابط هندسة سابق في فرقة غزة، فإن مؤشرات ظهور منظومة الأنفاق بدأت منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا بعد تطبيق اتفاقيات أوسلو والانسحاب الإسرائيلي من عدد من مدن قطاع غزة، بما فيها مدينة رفح.
وأوضح أن فقدان إسرائيل السيطرة المباشرة على بعض المناطق الحدودية سمح بتطور عمليات حفر الأنفاق، مشيرًا إلى أنه خلال تلك الفترة تم اكتشاف أول 35 نفقًا عبرت من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية.
وفي ذلك الوقت، اعتُبرت هذه الأنفاق جزءًا من عمليات تهريب محدودة، إلا أنها شكلت لاحقًا الأساس الأول لبناء منظومة تحت الأرض تطورت بشكل كبير خلال السنوات التالية.
من أنفاق تهريب إلى شبكة عسكرية متكاملة
خلال سنوات الألفين، بدأت طبيعة الأنفاق تتغير، حيث انتقلت من مسارات تهريب إلى أنفاق هجومية وتفجيرية استُخدمت ضد مواقع الجيش الإسرائيلي.
وبعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، وسّعت حماس استثماراتها في هذا المجال، وبدأت ببناء منظومة أنفاق هجومية تهدف إلى اختراق الحدود والوصول إلى داخل إسرائيل، وهي قدرات ظهرت بشكل واضح خلال عملية "الجرف الصامد" عام 2014.
وفي الوقت نفسه، طورت الحركة شبكة واسعة تحت الأرض داخل القطاع، وصفت بأنها "مدينة تحت الأرض"، وضمت ممرات للحركة العسكرية، ومراكز قيادة وسيطرة، ومخازن للأسلحة، ومواقع لإخفاء عناصر حماس، إضافة إلى أماكن استخدمت لاحتجاز رهائن.
ورغم مرور سنوات من العمليات العسكرية، فإن تدمير هذه الشبكة بالكامل لا يزال يمثل تحديًا معقدًا، خصوصًا في المناطق التي لم تتم السيطرة العملياتية الكاملة عليها.
الخرسانة مقابل التفجير.. ما الطريقة الأكثر فاعلية؟
تشير الخبرة العسكرية المتراكمة إلى أن إغلاق الأنفاق عبر ضخ الخرسانة السائلة قد يكون أكثر فاعلية من عمليات التفجير في العديد من الحالات.
ويهدف استخدام الخرسانة إلى ملء الفراغات تحت الأرض ومنع إمكانية إعادة استخدام النفق مستقبلًا، وليس فقط التسبب في انهياره.
أما التفجيرات، فرغم قدرتها على تدمير أجزاء من الأنفاق، فإنها قد تؤدي في بعض الحالات إلى توسعة الفراغات الداخلية أو ترك بيئة يمكن إعادة تأهيلها والحفر فيها مرة أخرى.
ولهذا تعتمد بعض العمليات الهندسية على ضخ كميات كبيرة من الخرسانة داخل الأنفاق العميقة والمحصنة، باعتبارها وسيلة أكثر استدامة لمنع عودة استخدامها.
السيطرة على الأرض شرط أساسي لإنهاء التهديد
ورغم أهمية الوسائل الهندسية، يؤكد التقرير أن تدمير الأنفاق وحده لا يكفي للقضاء على التهديد، إذ تبقى السيطرة الميدانية العامل الأساسي لمنع إعادة بناء هذه البنية التحتية.
ففي المناطق التي يسيطر فيها الجيش الإسرائيلي بشكل كامل، تصبح قدرة حماس على إعادة الحفر أو ترميم الأنفاق محدودة للغاية.
لكن في المناطق التي لا تزال الحركة تمتلك فيها نفوذًا أو قدرة على العمل، مثل مناطق المواصي ومخيمات وسط القطاع ومدينة غزة، تبقى شبكات الأنفاق قائمة وتتطلب معالجة عسكرية واستخباراتية مستمرة.
ثلاثون عامًا من المواجهة مع تهديد الأنفاق
ويخلص التقييم العسكري إلى أن التجربة الممتدة على مدار ثلاثة عقود تظهر عدم وجود حل سريع أو نهائي لمشكلة الأنفاق.
فتدمير الأنفاق يمثل عنصرًا أساسيًا في تقليص قدرات حماس العسكرية، لكنه يحتاج إلى مزيج من السيطرة على الأرض، والجهود الهندسية المتواصلة، والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة.
وبحسب هذا التقييم، فإن استمرار وجود مناطق قادرة فيها حماس على الحفر وإعادة بناء قدراتها سيبقي خطر الأنفاق قائمًا.
ويؤكد التقرير أن منع تكرار الواقع الأمني السابق يتطلب استكمال الأهداف العسكرية ومنع الحركة من إعادة بناء منظومتها تحت الأرض، التي شكلت خلال السنوات الماضية أحد أهم مصادر قوتها العسكرية.







