طلال عوكل - كاتب ومحلل سياسي
بينما تتعرض المنطقة إلى حرب تتوسع وتتصاعد باضطراد، وتنعكس تداعياتها على الاقتصاد العالمي، وعلى عشرات الكيانات الجغرافية، وفي مركزها الكيانات العربية وجوارها، وبالتأكيد على الشعب الفلسطيني وقضيته، تتزامن استحقاقات انتخابية مفصلية في فلسطين والولايات المتحدة وإسرائيل.
الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تنذر، وفق المؤشرات الأولية التي تظهر في استطلاعات الرأي، بتغيير في تركيبة الكونغرس لصالح الديمقراطيين، من دون حساب التغييرات التي تصيب الحزب الجمهوري وتهدد صلاحيات الرئيس، وربما تكلفه منصبه.
ترمب، الذي يدرك الواقع الذي ينتظر استحقاقًا دستوريًا، يحاول بكل ما لديه من صلاحيات تجنب الوقوع في الكارثة، من خلال التحذير من محاولات تزوير الانتخابات، ويوجه اتهامه إلى الصين، التي نفت رسميًا تلك الاتهامات. وتخفي هذه التحذيرات نوايا للرئيس ترمب، من أنه قد يتخذ إجراءات تقيد حق الناخبين في الوصول إلى صناديق الاقتراع، وحتى يمكن التشكيك لاحقًا في نزاهة الانتخابات، في حال جاءت النتائج على غير ما يرغب.
وفي إسرائيل أيضًا تجرى الانتخابات في أكتوبر المقبل، كاستحقاق دستوري أيضًا، وتشير استطلاعات الرأي المتكررة، وفي أكثر من مؤسسة، إلى أن نتنياهو وحزبه وائتلافه يواجهون خسارة مؤكدة.
استطلاعات الرأي تشير إلى تفوق غادي أيزنكوف على نتنياهو، وتحصل قائمته الانتخابية على عدد من المقاعد يعادل ما يحصل عليه «الليكود»، فيما تحصل أحزاب المعارضة على عدد من المقاعد يتجاوز الستين مقعدًا التي تحتاجها لتشكيل الحكومة المقبلة.
الكثير من التوقعات تشير إلى أن نتنياهو لا ينوي التسليم لهذه النتائج، وأنه قد يلجأ إلى تصعيد الحرب، والتذرع بالحالة الأمنية الناشئة لتأجيل الانتخابات، وضمان بقاء ائتلافه وحكومته، كحكومة تسيير أعمال إلى حين تسمح الظروف بتحديد موعد جديد لإجراء الانتخابات.
مسبقًا، وتحسبًا لأي احتمالات، طلب نتنياهو ضمان الحماية الأمنية له ولأسرته مدى الحياة، وقد حصل على الموافقة بالنسبة لعائلته، ولكنه لم يحصل عليها شخصيًا، الأمر الذي يعزز منطق الحذر من ألاعيب نتنياهو إزاء الالتزام بالموعد المحدد لإجراء الانتخابات، فلقد عُرف الرجل بأنانيته المفرطة، وخوفه على مستقبله السياسي.
وبدون الدخول في تداعيات التغيير الذي يمكن أن يتبع الانتخابات في إسرائيل على السياسة الإسرائيلية تجاه ما يجري في الإقليم، وأيضًا بالنسبة لنتائج الانتخابات الأميركية على السياسة الأميركية، فإن النتائج في كلتا الحالتين ستكون لها آثار واضحة على واقع ومستقبل المنطقة والشرق الأوسط عمومًا.
أما بالنسبة للانتخابات التي ستجري في السابع والعشرين من نوفمبر المقبل، بحسب مرسوم أصدره الرئيس محمود عباس، فإنها لا تجري وفق استحقاق دستوري، فالقانون الفلسطيني يحدد إجراء الانتخابات التشريعية كل أربع سنوات، بينما مضى على آخر انتخابات عشرون عامًا.
الانتخابات الفلسطينية تجري بدون مجلس تشريعي، وكان الرئيس قد أعلن حله قبل سنوات، وبدون مؤسسة منتخبة تعوض غيابه، الأمر الذي منحه صلاحيات واسعة وغير محدودة.
الانتخابات الرئاسية أيضًا مضى عليها أكثر من عشرين عامًا، بينما فشلت كل المحاولات لإجرائها، وإجراء الانتخابات التشريعية، في ظل الانقسام الذي شهد تدافعًا بين طرفيه، كل لإلغاء الآخر، أو إضعافه بالقدر الذي يسمح له بالهيمنة على القرار.
في آخر مرة جرى تحديد موعد للانتخابات قبل أعوام، كان ملف القدس ومشاركة المقدسيين في الانتخابات، تصويتًا وترشيحًا، السبب أو الذريعة التي منعت إجراءها، على خلفية الموقف الإسرائيلي الرافض لمشاركة المقدسيين.
إجراء الانتخابات للمجلس الوطني، الذي يُحتسب أعضاؤه من داخل فلسطين، كمكون للمجلس التشريعي، وإن كانت الانتخابات، بالعموم، تشكل استحقاقًا ديمقراطيًا وطنيًا، إلا أنها هذه المرة تشكل استحقاقًا خارجيًا، تحت ضغط أطراف تطالب السلطة بالإصلاح، كشرط لإعادة تقديم المساعدات المالية في ظل القرصنة الإسرائيلية للأموال الفلسطينية.
والسؤال هو: كيف ستجري الانتخابات في قطاع غزة، حيث السلطة غير موجودة ولا اللجنة الوطنية، وفي ظل العدوان الإسرائيلي الذي لا يتوقف، والظروف الصعبة التي يعاني منها أهل القطاع؟
والسؤال الآخر: هل ستجري الانتخابات في القدس المحتلة، أم إنها ستكون خارج الحسابات، في ظل الرفض الإسرائيلي المطلق، أم إن السلطة ستعتمد المشاركة إلكترونيًا، وهو ما رفضته سابقًا؟
والسؤال الأهم: هل ستؤدي هذه الانتخابات إلى إصلاح الوضع الفلسطيني، أم ستكون فرصة لإقصاء الآخر، وإعادة تأكيد مشهد الانقسام على نحو أشد خطورة مما كان عليه الحال قبل الانتخابات المفترضة؟
قناة الغد







