عزات جمال - كاتب فلسطيني
يستهل مجلس السلام عمله، وهو الذي شكله الرئيس الأمريكي ترامب ليكون المرجعية السياسية المشرفة على تطبيق خطته حول مستقبل غزة، بإشهار سيف المعاداة للهيئة الدولية الأبرز والشاهدة على واقع اللجوء الذي عاشه الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، وهي التي تشكلت بموجب قرار دولي. فما الذي يريده مجلس السلام؟ وما الذي يطمح إليه؟
لا يخفى على أحد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أوائل من عمل فعليًا على تقويض "الأونروا" من خلال قطع التمويل، وممارسة ضغوط على أبرز الممولين، وقد أفضت هذه السياسة إلى عجز مالي وتضييق على الوكالة الدولية. وقد زادت جرأة الاحتلال الإسرائيلي في ظل إدارته، حتى وصلت إلى مرحلة هدم وتخريب عشرات المقرات الأممية التابعة لوكالة الأونروا، وقد كان مقرها الرئيسي في مدينة القدس المحتلة على رأس هذه المباني والمقرات، وقد ظهرت في التوثيقات الجرافات والبلدوزرات تطحن آخر حجارته، في رسالة واضحة: أن لا مكان لديكم ولا حصانة لكم. وقد استكمل الاحتلال الإسرائيلي هذه الحرب الشعواء على الوكالة الدولية وعلى موظفيها من خلال عدة مسارات، فلم يكتفِ بالدعاية السوداء وحرب التشويه التي طالت المسؤولين والموظفين على حد سواء، إضافة إلى حملات التهديد والابتزاز، وصولًا إلى الاغتيال المعنوي والنفسي والجسدي لموظفيها، وقد أفضت هذه الحملات إلى فصل مئات من الموظفين، فيما يفسر بسياسة الخضوع التي أبدتها الوكالة الدولية لتجاوز عاصفة الهجمات التي يشنها عليها كل من الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي، والتي تواصلت من قبل إدارة الوكالة على شكل تقليص ومحدودية العمل.
على أن اختيار التوقيت والأدوات ليس اعتباطيًا، إذ إن الاحتلال الإسرائيلي يرى في اللحظة الراهنة، وفي ظل وصول الضغوط الأمريكية إلى ذروتها على المنظمة الدولية، واستعداد الإدارة الأمريكية لقبول بدائل أخرى للوكالة، أضف إلى ذلك الحاجة الملحة للسكان في المناطق الفلسطينية المحتلة للإيواء والعلاج والتغذية والتعليم، فيستغل الاحتلال الإسرائيلي هذه الحاجة ليقايض الإدارة الأمريكية بأن سيسمح لمن يراهم الأنسب للعب هذا الدور. فتنزل واشنطن عند رغبة الاحتلال الإسرائيلي، الذي يمنحها ما أرادت، وهي تمنحه إعفاءً من تبعات القفز عن قرار دولي يفوض وكالة الأونروا بالعمل حتى العام 2029. هكذا يضرب الاحتلال الإسرائيلي بعرض الحائط القرارات الدولية وإجماع الأمم والشعوب.
لقد تجاوز مجلس السلام دوره بمعاداة أهم الهيئات الدولية المشهود لها بالكفاءة والنزاهة، وتجاهل تفويض الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويتجاهل أيضًا، عن عمد، حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن الحاجة للمساعدات هي نتيجة مباشرة للاحتلال الإسرائيلي والحصار والتجويع، وبأن "أونروا" هي التي تمثل الإطار الدولي بالخصوص.
إن تبني مجلس السلام لرؤية الاحتلال الإسرائيلي ليؤكد ما حذرنا منه، وهو أن هذا المجلس يفتقد الاتزان والإنصاف في طرحه منذ اللحظة الأولى بتشكيله، حيث إنه يقف مع الجلاد ضد الضحية، وبأنه عبر هذه السياسة المنحازة يهدف لهندسة التجويع وشرعنة الحصار المفروض على غزة، وفق ما يخدم الاحتلال الإسرائيلي ويراعي شروطه ويجمل صورته أمام العالم، الذي ضج بعدوانية الاحتلال. إن هذا الاستهداف الخطير من مجلس السلام للمنظمة الدولية، بعد حرب الإبادة الجماعية التي أسفرت عن استشهاد 391 موظفًا أمميًا وتدمير 321 منشأة تابعة للوكالة، يعد تساوقًا مع الاحتلال الإسرائيلي، وتبرئةً معلنة لقادته الذين ارتكبوا الجرائم ضد الإنسانية.
لقد حسمت محكمة العدل الدولية، في العام 2025، أي خلاف قانوني أو توجهات ذات طابع سياسي، وأقرت ببطلان أي إجراء يقوض عمل "أونروا"، وخاصة تلك التي يقوم فيها الاحتلال الإسرائيلي بمحاولة تفكيك الوكالة، أو بخنقها لوجستيًا، أو شيطنة وتجريم العاملين فيها.
إن قطاع غزة والضفة الغربية بحاجة ماسة لإعادة زخم عمل وكالة الأونروا للتخفيف من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها المجتمع بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه المستمر على الأرض والإنسان. كما يجب على الوسطاء ورعاة اتفاق وقف إطلاق النار أن يمارسوا ضغوطهم على مجلس السلام للكف عن تقويض "الأونروا"، خدمة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تؤسس لاستمرار الصراع. وعلى دول العالم تشكيل حائط حماية للمنظمة الدولية أمام همجية الإجراءات والمواقف الأمريكية في ظل إدارة ترامب.






