وكالات - مصدر الإخبارية
يشهد العالم توسعًا غير مسبوق في استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث يعتمد عليها مئات الملايين يوميًا في مجالات متعددة، بدءًا من البحث عن المعلومات والتوصيات الشرائية، وصولًا إلى طلب النصائح الشخصية وحتى الدعم النفسي. ومع هذا الانتشار الواسع، تتزايد المخاوف من تحول هذه الأدوات إلى منصات للإعلانات الخفية التي قد تؤثر على المستخدمين دون علمهم.
تشير دراسة حديثة أجراها باحثان في علوم الحاسوب إلى أن دمج الإعلانات داخل ردود روبوتات الدردشة يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على قرارات المستخدمين، خاصة عندما يتم تقديم هذه الإعلانات على أنها توصيات محايدة. وبيّنت النتائج أن العديد من المستخدمين لا يدركون أنهم يتعرضون لمحاولات توجيه أو تلاعب، ما يثير تساؤلات جدية حول الشفافية والأخلاقيات في استخدام هذه التقنيات.
وتأتي هذه المخاوف في وقت بدأت فيه شركات تقنية كبرى بتجربة إدخال الإعلانات داخل أنظمة الدردشة الذكية. ففي عام 2023، شرعت مايكروسوفت في عرض إعلانات ضمن أداة "Bing Chat" التي تحولت لاحقًا إلى "Copilot"، فيما تعمل شركات أخرى مثل غوغل وأوبن إيه آي على اختبار نماذج مماثلة. كما بدأت ميتا في توظيف تفاعلات المستخدمين مع أدوات الذكاء الاصطناعي لتقديم إعلانات مخصصة عبر منصاتها.
ويرى الباحثون أن خطورة هذه الإعلانات تكمن في طبيعة العلاقة التي تنشأ بين المستخدم وروبوت الدردشة، إذ لا يقتصر الاستخدام على البحث أو الترفيه، بل يمتد إلى مجالات حساسة مثل اتخاذ القرارات اليومية أو طلب الاستشارات. هذا التفاعل العميق يجعل المستخدم أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى الذي يتلقاه، خاصة إذا لم يكن مدركًا لوجود أهداف تسويقية خلفه.
كما أظهرت الدراسات أن نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل استفسارات المستخدمين واستنتاج معلومات دقيقة عنهم، مثل اهتماماتهم، أو أوضاعهم الاجتماعية، أو حتى أنماط تفكيرهم. فعلى سبيل المثال، يمكن لسؤال بسيط أن يكشف عن كون المستخدم طالبًا أو أحد الوالدين العاملين، ما يسمح ببناء ملف شخصي دقيق يُستخدم لاحقًا لتوجيه إعلانات مخصصة.
وفي تجربة عملية شملت 179 مشاركًا، تم اختبار ثلاثة أنواع من روبوتات الدردشة: أحدها تقليدي، وآخر يدمج الإعلانات بشكل غير معلن، وثالث يوضح بوضوح أن المحتوى إعلاني. وأظهرت النتائج أن نسبة كبيرة من المشاركين لم تتمكن من التمييز بين التوصيات العادية والإعلانات، بل إن بعضهم فضّل الردود التي تضمنت محتوى دعائيًا، معتبرًا إياها أكثر فائدة وودية.
ويحذر الخبراء من أن هذا النوع من التأثير قد يمتد إلى مجالات أكثر حساسية، مثل التوجهات السياسية والاجتماعية، خاصة مع قدرة هذه الأنظمة على التفاعل المباشر مع المستخدمين واستهدافهم بناءً على مشاعرهم واهتماماتهم.
ورغم تأكيد بعض الشركات، مثل أوبن إيه آي، أنها لن تسمح للإعلانات بالتأثير على إجابات روبوتات الدردشة، فإن الاتجاه نحو دمج الإعلانات بشكل أعمق يبدو وشيكًا، ما يستدعي وضع ضوابط تنظيمية واضحة لحماية المستخدمين.
وفي ظل هذه التطورات، ينصح الخبراء المستخدمين بتوخي الحذر والانتباه إلى بعض المؤشرات التي قد تدل على وجود إعلانات خفية، مثل العبارات الترويجية غير المباشرة، أو التغير المفاجئ في أسلوب الرد، أو التوصية بمنتجات غير معروفة بشكل متكرر.
وفي النهاية، تؤكد هذه المعطيات أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الابتكار التقني، بل يرتبط أيضًا بمدى القدرة على تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجي وحماية المستخدمين من الاستغلال التجاري غير المرئي.