شبكة مصدر الاخبارية

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
الرئيسية فلسطينيو 48 شؤون إسرائيلية عربية وإقليمية اقتصاد تكنولوجيا تقارير خاصة رياضة منوعات إتصل بنا
الرئيسية أقلام الانتخابات المحلية في دير البلح بين ثنائية: استعادة السياسة ومخاطر الانكسار

د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني

الانتخابات المحلية في دير البلح بين ثنائية: استعادة السياسة ومخاطر الانكسار

12 أبريل 2026 02:00 م
Facebook X (Twitter) WhatsApp
د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني

د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني

في لحظة تبدو فيها غزة أقرب إلى اختبار وجودي مفتوح، لا مجرد أزمة إنسانية عابرة، تأتي خطوة إجراء الانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوصفها حدثًا يتجاوز إطاره الإداري الضيق. فهي ليست مجرد استحقاق بلدي يتعلق بالخدمات أو المجالس المحلية، بل محاولة لإعادة إدخال السياسة إلى فضاءٍ حاولت الحرب إخراجه بالكامل من التاريخ.

غزة اليوم ليست ساحة انتخابية طبيعية؛ إنها فضاء جريح يعيش تحت وطأة الإبادة، حيث تحوّل البقاء ذاته إلى فعل يومي مقاوم، لذلك تبدو الانتخابات خطوة محفوفة بالتناقضات: فهي في آنٍ واحد فعل أمل سياسي، واحتمال واقعي لفشلٍ قد يحمل دلالات أخطر من عدم إجرائها أصلًا.

من زاوية أولى، يمكن قراءة هذه الانتخابات باعتبارها ردًا عمليًا على أحد الأهداف العميقة للمشروع الاستعماري الإسرائيلي: فصل غزة عن سياقها الوطني الفلسطيني وتحويلها إلى كيان إنساني معزول لا سياسي. فإجراء الانتخابات المحلية بالتزامن بين غزة والضفة الغربية — للمرة الأولى منذ عام 2005 — يحمل دلالة سيادية رمزية شديدة الأهمية؛ إذ يعيد التأكيد على وحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني رغم الجغرافيا الممزقة والانقسام الطويل.

في أدبيات الديمقراطية، يرى مفكرون مثل روبرت دال أن الديمقراطية لا تُختبر في الظروف المثالية، بل في قدرة المجتمع على إنتاج التمثيل السياسي تحت الضغط. بهذا المعنى، تصبح الانتخابات في دير البلح إعلانًا بأن الشعب الفلسطيني لا يزال يتمسك بمبدأ أن الشعب مصدر السلطات، حتى عندما تُحاصر مؤسساته وتُقوّض بنيته المادية.

كما يمكن فهم هذه الخطوة ضمن ما يسميه منظرو ما بعد الاستعمار، وعلى رأسهم فرانز فانون، بمحاولة استعادة الفعل السياسي من قبضة الاستعمار؛ فالاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى تعطيل قدرة المجتمع المُستعمَر على تنظيم نفسه سياسيًا. وعليه، فإن صندوق الاقتراع هنا يتحول إلى أداة مقاومة رمزية، لا مجرد إجراء إداري.

إنها محاولة إعلان أن الفلسطيني، رغم النكبات المتلاحقة، لا يزال قادرًا على تقرير مصيره واختيار ممثليه، وأن الديمقراطية ليست امتيازًا يُمنح بعد الاستقرار، بل حق يُمارس دفاعًا عن الوجود ذاته.

لكن الوجه الآخر للصورة أكثر تعقيدًا وقسوة، فالانتخابات لا تجري في فراغ نظري، بل داخل واقع منهك... المدارس التي يفترض أن تتحول إلى مراكز اقتراع أصبحت ملاجئ للنازحين، والبنية الأمنية القادرة على حماية العملية الانتخابية تعاني انهيارًا عميقًا، فيما يعيش المواطن صراعًا يوميًا مع الغذاء والمأوى والأمان. هنا تظهر إحدى الإشكاليات المركزية في نظريات التحول الديمقراطي التي ناقشها صامويل هنتنغتون: هل يمكن للديمقراطية أن تنجح عندما تسبقها الدولة في الانهيار؟

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صعوبة إجراء الانتخابات، بل في أن تتحول إلى دليل على العجز الفلسطيني بدل أن تكون برهانًا على الجدارة السياسية. ففشل لوجستي، أو ضعف المشاركة الشعبية، أو التشكيك في النتائج، قد يُنتج سردية مضادة مفادها أن الفلسطيني غير قادر حتى على إدارة انتخابات محلية، فكيف يمكنه المطالبة لاحقًا بانتخابات عامة أو سيادة كاملة؟

الأكثر حساسية أن البيئة الاستعمارية نفسها قد تتدخل لإفشال التجربة. فالاستعمار، كما تشير أدبيات ما بعد الاستعمار السياسي، غالبًا ما يسمح بهوامش ديمقراطية محدودة فقط عندما لا تهدد بنيته السيطرة. ومن هنا يظل احتمال استهداف مراكز الاقتراع، أو خلق فوضى أمنية، أو الدفع بعناصر تخريبية لإضعاف الثقة العامة، خطرًا قائمًا ينبغي على لجنة الانتخابات المركزية التعامل معه بوعي استثنائي.

إن المعضلة الفلسطينية هنا ليست بين إجراء الانتخابات أو تأجيلها، بل بين معنيين متصارعين للديمقراطية: وهما إما ديمقراطية تُمارَس بوصفها فعل صمود وإعادة بناء للشرعية الوطنية، أو ديمقراطية قد تتحول، إن لم تُحسن إدارتها، إلى عرضٍ مكشوف للهشاشة السياسية تحت الاحتلال.

الخصوصية الفلسطينية تجعل هذه اللحظة مختلفة عن كل تجارب التحول الديمقراطي المعروفة. فالفلسطيني لا ينتقل من الاستبداد إلى الديمقراطية، ولا من الحرب إلى السلام، بل يحاول بناء ممارسة ديمقراطية داخل الاستعمار نفسه. إنها حالة نادرة في التاريخ السياسي: مجتمع يسعى إلى إنتاج الشرعية بينما يُنكر عليه حق السيادة أصلًا.

ولهذا، فإن نجاح انتخابات دير البلح — ولو بحدودها الدنيا — سيعني أكثر من انتخاب مجلس محلي؛ سيعني أن السياسة الفلسطينية لم تمت تحت الركام. أما فشلها، فقد يمنح خصوم المشروع الوطني حجة إضافية لنزع الأهلية السياسية عن الفلسطيني.

بين هذين الاحتمالين، تقف دير البلح اليوم لا كمدينة فقط، بل كاختبار فلسفي للديمقراطية ذاتها:

هل يمكن لصندوق الاقتراع أن يصمد عندما تصبح الحياة نفسها فعل نجاة يومي؟ ربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو الانتخابات في غزة أقل شبهًا بعملية إجرائية، وأكثر قربًا من إعلان إنساني عميق: أن شعبًا يُقاتل من أجل البقاء، لا يزال يُصرّ على أن يكون صاحب القرار أيضًا.

 

Facebook X (Twitter) WhatsApp
الانتخابات المحلية دير البلح الوحدة السياسية انتخابات البلدية قطاع غزة السلطة الفلسطينية

آخر الاخبار

جامعة الدول العربية: مصادقة الاحتلال على 34 مستوطنة "خطوة تصعيدية" تهدد السلام

جامعة الدول العربية: مصادقة الاحتلال على 34 مستوطنة "خطوة تصعيدية" تهدد السلام

شرطة الاحتلال تقتحم مسجداً في تل السبع داخل الخط الأخضر وتصادر مكبرات الصوت

شرطة الاحتلال تقتحم مسجداً في تل السبع داخل الخط الأخضر وتصادر مكبرات الصوت

دخول 5 شاحنات غاز طهي وتوزيعها على أهالي غزة

دخول 5 شاحنات غاز طهي وتوزيعها على أهالي غزة

احتجاز وتنكيل لساعات.. الاحتلال يغلق مدخل "المغير" ويحاصر المواطنين

احتجاز وتنكيل لساعات.. الاحتلال يغلق مدخل "المغير" ويحاصر المواطنين

الأكثر قراءة

1

الإمارات تغلق سفارتها في طهران وتسحب بعثتها الدبلوماسية

2

ما هو تفسير حلم الإجهاض للمتزوجة غير الحامل؟

3

هذا تفسير حلم سقوط سن واحد علوي في المنام

4

ما هو تفسير رؤية ترك العمل في الحلم؟

تابعنا على فيسبوك

المقالات المرتبطة

إسرائيل بين ادعاء الانتصار وتعثر الحسم الاستراتيجي

إسرائيل بين ادعاء الانتصار وتعثر الحسم الاستراتيجي

غزة: مفاوضات تحت النار

غزة: مفاوضات تحت النار

قطاع غزة: اليوم التالي الذي لا يمكن الدخول إليه

قطاع غزة: اليوم التالي الذي لا يمكن الدخول إليه

تابعنا على فيسبوك

شبكة مصدر الاخبارية

مصدر الإخبارية، شبكة إعلامية فلسطينية مستقلة، تُعنى بالشأن الفلسطيني والإقليمي والدولي، وتولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية بالدرجة الأولى

فلسطينيو 48 عربية وإقليمية تقارير خاصة محلية اقتصاد الأسرة الأسرى منوعات اللاجئين القدس سياسة أقلام اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة لمصدر الإخبارية © 2025

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
BandoraCMS  Powered By BandoraCMS
سيتم تحسين تجربتك على هذا الموقع من خلال السماح بملفات تعريف الارتباط.