مقال/ آلاء أبو عيشة
لم يعد المشهد في قطاع غزة يحتمل رفاهية النقاشات المؤجلة أو اللغة المواربة. الدمار الذي طال البشر والمؤسسات والبنية التحتية وضع الفلسطينيين أمام لحظةٍ سياسيةٍ حاسمة، تتراجع فيها "الهوامش"، وتتضخّم فيها مخاطر الخطأ.
هنا لم يعد التحدي يكمن في مجرد التعافي من تبعات الحرب، بل بحماية ما تبقى من القدرة الوطنية على إدارة "المستقبل"، ومنع تحول تداعيات الكارثة إلى نقطة انطلاق لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني خارج إرادة الفلسطينيين أنفسهم.
ضمن هذا المناخ الملبّد بالغموض، طُرحت ترتيبات سياسية وإدارية جديدة لإدارة المرحلة المقبلة: مجلسٌ للسلام، ومجلسٌ تنفيذي، ولجنة تكنوقراط يُفترض أن تتولى إدارة ملفات إعادة الإعمار والخدمات.
ظاهريًا تبدو هذه الأطر محاولة لتجاوز الفراغ الذي خلّفته الحرب والانهيار المؤسسي في غزة، لكن التجربة الفلسطينية الطويلة تُحذّر من أن الهياكل الانتقالية، إذا لم تُحاصر بوضوحٍ سياسيٍ وإطارٍ زمنيٍ صارم، قد تتحول سريعًا من أدوات مؤقتة إلى وقائع دائمة تعيد تشكيل النظام السياسي بما لا رجعة عنه.
من هنا، لا ينبغي أن يُختزل النقاش حول "لجنة التكنوقراط" في مسألة الكفاءة الإدارية أو الحياد المهني وحسب، فالسؤال الأعمق يتعلق بطبيعة الدور الذي ستؤديه هذه اللجنة: هل ستكون أداة لإعادة تشغيل المؤسسات الفلسطينية التي دمّرتها الحرب، أم مدخلًا لإعادة هندسة هذه المؤسسات وفق تصوراتٍ جديدة تُبنى وكأن ما كان قائمًا لم يوجد أصلًا؟
هذا السؤال يكتسب حساسيةً مضاعفة عندما يتعلق الأمر بالقطاع الصحي في غزة. ففي خِضمّ الحديث الدولي المتزايد عن "إعادة بناء النظام الصحي من الصفر"، يختفي جانبٌ أساسيٌ من الحقيقة: غزة لم تعِش يومًا فراغًا صحيًا قبل الحرب؛ لقد امتلكت منظومة طبية، هي في أصلها نتيجة تراكمٍ تاريخيٍ طويل، وتجربة سياسية -اجتماعية فريدة نشأت من الفراغ، ونمَت رغم وجود الاحتلال، ثم تحولت إلى مؤسسة دولة دون أن تفقد روحها الشعبية.
من العهد العثماني مرورًا بالانتداب البريطاني (1920م- 1948م)، ظهرت البدايات الأولى لمنظومة الصحة الفلسطينية عبر المستشفيات التبشيرية والأهلية، إلى أن أخذ القطاع الصحي ملامح تنظيمٍ "شبه مؤسسي" في ثمانينات القرن الماضي من خلال المؤسسات الأهلية المرتبطة بالحركة الوطنية.
آنذاك، نشأت اللجان الصحية الشعبية بمبادرات من كوادر طبية منخرطة في العمل الوطني، لتسدّ فراغ الخدمات في القرى والمخيمات، في حين تعزّز حضور المؤسسات الطبية الأهلية، وفي مقدمتها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التي أُسست عام 1968م، وشكّلت ركيزة أساسية للخدمات الطارئة والإسعاف، إلى جانب جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية.
ويجسد المستشفى الأهلي المعمداني أيضًا، تاريخًا طويلًا من العمل الطبي في قلب الأزمات، وشاهدًا على التحولات السياسية والإنسانية في غزة: أُسس عام 1882م على يد بعثة تبشيرية تابعة للكنيسة الأنغليكانية في حي الزيتون جنوبي المدينة، وبرز دوره في مختلف الأزمات، لا سيما خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987م.
منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، تحوّل إلى نقطة طبية أساسية في التعامل مع الإصابات اليومية، رغم تعرضه للاستهداف مرارًا منذ بدء "الإبادة" في السابع من أكتوبر/ 2023م، وصولًا إلى الانفجار الكبير الذي طال ساحته في السابع عشر من الشهر ذاته، وأدى لسقوط مئات الضحايا.
ومع قيام السلطة الفلسطينية عام 1994م، شهدت المنظومة الصحية تحوّلًا مفصليًا شَمل الضفة وغزة، حيث تأسست وزارة الصحة كمرجعية مركزية نظّمت هذا القطاع، وانتقل المشهد من "نظامٍ مقاوِم" إلى "نظام دولة"، عبر إنشاء المستشفيات الحكومية، وتطوير نظام التأمين الصحي، وتنظيم التحويلات الطبية، دون أن يُقصي ذلك الدور المحوري للمؤسسات الأهلية التي بقيت شريكًا أساسيًا في تقديم الخدمات.
ورغم الحصار الإسرائيلي والانقسام الداخلي في قطاع غزة منذ عام 2007م، لم تتوقف هذه المنظومة عن التطور، وإن كان تطورًا قسريًا فرضته الظروف، إذ بلورت ما يمكن تسميته بـ"نموذج الصمود الطبي"، القائم على إدارة شحّ الأدوية، وإعادة تدوير الموارد، والاعتماد على الكفاءات المحلية، والعمل ضمن تنسيقٍ مشترك تحت الضغط، ما أتاح تراكم خبرات بشرية ومؤسسية عميقة، صيغت جميعها في سياق إدارة الأزمات والحروب المتكررة.
التحدي الحقيقي أمام "لجنة التكنوقراط"، لن يكون في ابتكار نظامٍ صحي جديد، بل في إدراك أن ما دمرته الحرب في قطاع غزة كان نتاج نظامٍ قائمٍ بالفعل، بكل ما يحمله من خبرة وذاكرة مؤسسية. من هنا تبدأ المهمة الأصعب: إعادة البناء انطلاقًا مما كان موجودًا على مر عقود، لا التعامل مع قطاع الصحة في غزة كصفحةٍ بيضاء لم يمُر عليها "قلم".
قبل الحرب التي اندلعت في السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، كان القطاع الصحي في غزة يعمل في ظروفٍ شديدة التعقيد، تحت حصارٍ طويل ونقصٍ مزمن في الموارد، لكنه رغم ذلك نجح في بناء منظومة صحية قائمة على الخبرة التراكمية والكفاءات المحلية.
كان قطاع غزة يضم 36 مستشفى تقدم خدمات صحية لسكان يزيد عددهم على مليوني نسمة. وكان من بينها 13 مستشفى حكومية تديرها وزارة الصحة، إلى جانب مستشفيات أهلية وخاصة ومؤسسات طبية تابعة لمنظمات دولية.
هذه المستشفيات كانت موزعة على المحافظات الخمس للقطاع، وشكلت العمود الفقري للخدمات الصحية، أبرزها: مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، ومستشفى غزة الأوروبي في خان يونس، ومستشفى ناصر الطبي، بالإضافة إلى المستشفى الإندونيسي شمالي القطاع، ومستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، ومستشفى الرنتيسي للأطفال.
ورغم محدودية الإمكانات، استطاعت هذه المؤسسات أن تقدم خدمات تخصصية متقدمة نسبيًا مقارنة بظروف الحصار.
لقد شهد القطاع الصحي في غزة توسعًا واضحًا في بعض التخصصات الطبية التي كانت في السابق تتطلب تحويل المرضى إلى الخارج، وأهمها: جراحة القلب المفتوح، وجراحة الأعصاب التي شملت عمليات إزالة أورام الدماغ وتثبيت الفقرات وإصلاح إصابات الحبل الشوكي، عوضًا عن جراحة المناظير المتقدمة، التي أصبحت تُستخدم في العديد من العمليات مثل استئصال المرارة وبعض جراحات الجهاز الهضمي، وجراحة العظام المعقدة، لا سيما تلك المتعلقة بإصابات الحروب السابقة.
أضف إلى ذلك توسع خدمات جراحة الأطفال وزراعة القوقعة، الأمر الذي سمح لعشرات الأطفال الذين يعانون من فقدان السمع بالحصول على علاج داخل القطاع بدل السفر للخارج.
لقد سعت الجهات الرسمية في فلسطين، إلى توطين الخدمات في الضفة الغربية وقطاع غزة على حدٍ سواء، وكان مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني من أبرز المشاريع التي ظهرت قبل حرب أكتوبر 2023م: أول مستشفى متخصص في علاج الأورام في قطاع غزة.
قبل إنشائه، كان معظم مرضى السرطان مضطرين للسفر خارج القطاع للحصول على العلاج، ورغم أنه لم يكن قادرًا على تغطية جميع احتياجات المرضى، فإنه مثَّل خطوة مهمة نحو تقليل الاعتماد على التحويلات الطبية الخارجية، حيث قدم خدمات متطورة نسبيًا، مثل: العلاج الكيماوي، وتشخيص الأورام، ومتابعة المرضى، بالإضافة إلى إجرائه العديد من العمليات الجراحية المرتبطة بمرض السرطان والأورام.
جانبٌ آخر، كان يتمثل في تقديم بعض المؤسسات خدمات إعادة التأهيل لذوي الإعاقة، وهي خدمات اكتسبت أهمية خاصة نتيجة الحروب المتكررة، على رأسها مستشفى الوفاء للتأهيل، ومراكز الأطراف الصناعية الموزعة على محافظات القطاع المختلفة، ومراكز العلاج الطبيعي.
ويُعدّ "التحويلات الطبية"، أحد أهم الملفات الوطنية في النظام الصحي على صعيد كل فلسطين. ملفٌ مركزيٌ يُحسب له أنه بُني على العديد من أشكال التوافق والتعاون الوطني مثله مثل ملفات الحج والتوجيهي.
في قطاع غزة كان يتم تحويل المرضى للعلاج في الخارج: إلى الضفة الغربية، أو القدس، أو إلى مستشفيات الداخل المحتل، أو مصر، أو دولٍ أخرى، وكانت غالبًا تُقر للحالات التي لا تتوفر لها خدمات علاجية داخل القطاع، مثل: العلاج الإشعاعي للسرطان، وزراعة الأعضاء، وبعض جراحات القلب المتقدمة، والجراحات الدقيقة.
لكن الأهم أن هذا الملف كان يُدار عبر نظام مؤسسي داخل وزارة الصحة، يتضمن لجانًا طبية تخصصية، وتقييمًا للحالات، وتحديد الأولويات، ومتابعة الملف العلاجي للمريض.
ورغم الصعوبات المرتبطة بالحصول على تصاريح السفر أو التمويل، فإن هذه المنظومة شكلت إطارًا إداريًا قائمًا يمكن تطويره وتحسينه وحتى تخطي ما كان يشوبه من تجاوزات وشبهات فساد في بعض الأحيان.
اليوم، وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، يوجد نحو 20 ألف مريض يحملون تحويلات طبية وينتظرون السفر للعلاج خارج القطاع، بينهم مئات الحالات المصنفة كـ"إنقاذ حياة"، خاصةً في ظل فقدان الآلاف من مرضى السرطان -على وجه التحديد- إمكانية الوصول إلى العلاج بعد تدمير أو تعطيل المراكز المتخصصة.
جزءٌ صغيرٌ من الأزمة يتجلى في مشهد منذر أبو فول، الذي يرقد على أحد الأسرة في مستشفى الشفاء بغزة، وبقربه ملف تحويلته الطبية جاهزًا، لولا تضييقات الاحتلال فيما يتعلق بالسماح للمرضى بالسفر. يقول بيأسٍ واضح: "نحن نموت. يوميًا يموت ما بين اثنين إلى ثلاثة مرضى داخل هذا المستشفى. لا أستطيع النهوض من الفراش بسبب الألم. نريد حلًا، افتحوا المعابر".
وقد مرّت شهور عديدة على الاستغاثة التي أطلقتها أسرة الفتى عبد الرحمن أبو جزر (14 عامًا)، الذي فقد عينه في أكتوبر الماضي، خلال انتظاره المساعدات بالقرب من ما كان يسمى "مؤسسة غزة الإنسانية".
يتألم الطفل كل يوم دون أن يجد آذانًا صاغية، ووفقًا لأمه، فإن "حالته بحاجة إلى تدخلات طبية متقدمة غير متوفرة في غزة، فهو لا يرى بعينه المصابة، ويعاني أيضًا من فقدان حاسة الشم، ما زاد من معاناته الجسدية والنفسية".
رغم ذلك، يعد ملف "التحويلات الطبية" جزءًا من أزمةٍ أوسع بكثير. المنظومة الصحية بكاملها تعرضت لضربةٍ غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية وتقارير المؤسسات الدولية، فقد وثّقت أكثر من 800 هجوم على منشآت صحية خلال عامي الإبادة، كما أدى القصف والحصار إلى تدمير أو تعطيل معظم المستشفيات.
وبحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن نحو 94% من مستشفيات غزة تعرضت للتدمير أو الضرر خلال الحرب، وبحلول نهاية عام 2024م، لم يكن يعمل سوى نحو نصف المستشفيات الـ36 بشكل جزئي وفي ظروف صعبة للغاية.
ولم تقتصر الأزمة على إتلاف وتدمير المباني ومحتوياتها، فقد قُتل أكثر من 1700 من العاملين في القطاع الصحي منذ بداية الحرب، بحسب بيانات وزارة الصحة وتقارير دولية، كما اعتُقل مئات الأطباء والعاملين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية.
هذه الخسائر لا تعني فقط فقدان كوادر بشرية، بل فقدان خبرة طبية تراكمت عبر سنوات طويلة، إذ خسر القطاع عددًا من أبرز أطبائه ومديري مستشفياته، بينما اعتُقل آخرون أو قتلوا تحت التعذيب في الأسر، أو اضطروا إلى مغادرة البلاد رفقة عائلتهم طلبًا للنجاة.
هذا النوع من الخسائر لا يمكن تعويضه بسهولة، فإعادة بناء مستشفى لن يستغرق الوقت الذي سيستغرقه إعداد بروتوكولات وأنظمة جديدة، وهنا يكمن الخطر: إعادة بناء بيتٍ بلا قاعدة.
ومع الحديث عن إعادة إعمار غزة، تتدفق مبادرات ومشاريع دولية لإعادة بناء القطاع الصحي، لكن الخطر الحقيقي يتمثل في أن تتحول هذه المشاريع إلى عملية إعادة تشكيل كاملة للنظام الصحي وفق نماذج خارجية.
مثل هذا المسار قد يؤدي إلى:
- تهميش الكفاءات المحلية.
- إضعاف المؤسسات الصحية القائمة.
- تحويل النظام الصحي إلى منظومة تعتمد بالكامل على التمويل الخارجي.
وهنا تظهر أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه لجنة التكنوقراط، فإذا كان الهدف هو إعادة بناء نظام صحي فعّال في غزة، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون فهم ما كان موجودًا قبل الحرب.
لقد شكّل قانون الصحة العامة رقم (20) لسنة 2004م، المرجعية الأساسية لتنظيم الخدمات الصحية، والرقابة على المؤسسات الطبية، والصحة الوقائية، ومسؤوليات وزارة الصحة.
هذا القانون لم يأتِ من فراغ، بل كان حصيلة نقاشات داخل المجلس التشريعي الفلسطيني، شارك فيها أطباء وخبراء وصنّاع قرار لبناء فلسفة النظام الصحي نفسه، قبل أن يتعطّل عمله بين الضفة وغزة.
النظام الصحي في غزة لم يكن مثاليًا، لكنه كان يعمل رغم الحصار، بخبرة إدارية مميزة، وبكفاءات طبية عالية، ببنية مؤسساتية قابلة للتطوير، ولذلك فإن أي خطة لإعادة البناء يجب أن تبدأ بثلاثة مبادئ أساسية:
* أولًا: إعادة الاعتبار للمستشفيات الحكومية، التي كانت تمثل العمود الفقري للنظام الصحي في غزة، وإعادة تشغيلها، وتطوير قدراتها الجراحية والتخصصية كأولوية.
* ثانيًا: الاعتماد على الكفاءات المحلية. أطباء وإداريين ممن يمتلكون خبرة لا يمكن تعويضها بنماذج إدارية "مستوردة"، لا سيما وقد توالى الحديث عن توجهٍ مُقلق يتمثل في ربط إعادة تشغيل المؤسسات الصحية، وتوظيف كوادرها، بآليات "فحص أمني" تسبق أو ترافق أي عملية تمكين أو تمويل.
في ظاهرها، تُقدَّم هذه الإجراءات تحت بند "ضمان عدم توظيف الموارد في سياقات سياسية أو عسكرية"، لكنها في جوهرها تفتح الباب أمام إعادة فرز الكفاءات الطبية والإدارية وفق معايير خارجية، لا تستند بالضرورة إلى الخبرة المهنية أو الكفاءة التقنية، بقدر ما ترتبط باعتبارات أمنية وسياسية يضعها المموّل أو الجهة الدولية المشرفة.
الأخطر أن هذا المسار لا يقف عند حدود الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات نفسها، ما يعني عمليًا إعادة هندسة المنظومة الصحية من الداخل، وإخضاعها لشروط خارجية تمسّ بنيتها البشرية والإدارية، وتحويلها من منظومة نشأت من المجتمع وتطورت تحت الضغط، إلى منظومة مشروطة بالقبول الخارجي، تخضع في تشكيلها واستمراريتها لمعايير لا يصوغها الفلسطينيون أنفسهم.
* ثالثًا: تطوير الملفات القائمة لا استبدالها، فهناك ملفات إدارية وصحية تشكل البنية التنظيمية للنظام الصحي في قطاع غزة، يجب تطويرها بدل هدمها، مثل: نظام التحويلات الطبية، وإدارة الجراحات الحكومية، ومنظومة الدواء الحكومي، والسجلات الطبية.
ليست إعادة بناء القطاع الصحي في غزة مسألةً هندسيةً فحسب، ولا مشروعًا تقنيًا يمكن تصميمه على الورق ثم تنفيذه بمعزلٍ عن ذاكرة المكان. فالمستشفيات التي دُمِّرت لم تكن مجرد مبانٍ، بل كانت مساحات مهنية تراكمت فيها خبرات أطباء وممرضين، وملفات مرضى، وقرارات طبية صيغت تحت ضغط الحصار والحروب.
لقد نشأ هذا النظام في بيئة قاسية، لكنه تعلّم أن يعمل رغم ذلك، وأن يطوّر نفسه خطوةً بعد أُخرى، حتى صار يحمل في داخله معرفةً عملية لا يمكن استيرادها جاهزة من الخارج.
المهمة التي تنتظر لجنة التكنوقراط لا تبدأ بوضع مخططات جديدة فقط، بل بقراءة ما بقي من هذه الذاكرة المؤسسية وحمايتها: إعادة تشغيل المستشفيات، واستعادة الكفاءات الطبية، وإحياء الأنظمة الإدارية التي كانت تدير الدواء والجراحات والتحويلات الطبية.. هي ليست تفاصيل تقنية، بل جوهر إعادة البناء نفسها.
غزة لا تحتاج إلى نظامٍ صحيٍ مُخترَعٍ من جديد، بقدر ما تحتاج إلى من يعيد وصل ما انقطع من نظامٍ كان قائمًا بالفعل. المستشفى يمكن أن يُعاد بناؤه خلال سنوات قليلة، لكن الخبرة التي تُصنع داخل جدرانه تحتاج عقودًا كاملة لتتشكل.
من هنا، فإن الاختبار الحقيقي لأي إدارة انتقالية لن يكون في عدد المباني التي ستُشيَّد، بل في قدرتها على حماية ما تبقى من التجارب والعقول والخبرات التي صنعت هذا النظام على مر السنين. هذا هو رأس المال الحقيقي لإعادة البناء: إعادة البناء تبدأ من ترميم الذاكرة، لا من الصفر.