شبكة مصدر الاخبارية

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
الرئيسية فلسطينيو 48 شؤون إسرائيلية عربية وإقليمية اقتصاد تكنولوجيا تقارير خاصة رياضة منوعات إتصل بنا
الرئيسية أقلام غزة التي سرقوا منها الحزن....!

د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني

غزة التي سرقوا منها الحزن....!

05 أبريل 2026 09:14 م
Facebook X (Twitter) WhatsApp
د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني

د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني

لم تعد الإبادة هنا مجرّد آلة قتل؛ لقد أصبحت مشروعاً لإعادة تعريف الإنسان نفسه. فهي لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تمضي أبعد من ذلك: تقتل المعنى الذي يجعل الموت مأساة، والحزن فعلاً إنسانياً، والذاكرة ملاذاً أخيراً للناجين. كما أنها لم تعد حدثاً يقع في الزمن؛ لقد صارت زمناً كاملاً نعيش داخله. هي لا تقتلنا دفعةً واحدة، بل اختارت قسوةً أكثر دقة: أن تُبقينا أحياء بما يكفي لنشهد تآكل إنسانيتنا ببطء. لم تسرق الحياة فقط، بل سلبت منا القدرة على الحزن، كأنها قررت أن تحرم الضحية حتى من حقها الأخير في الاعتراف بالألم.

في الماضي، كان الموت كارثة شخصية، شرخاً واضحاً في القلب. كنا نعرف كيف نحزن: نقف طويلاً أمام الراحلين، نحدّق في وجوههم للمرة الأخيرة، نستعيد أصواتهم، نفاوض الذكريات كي تؤجل الغياب. كان البكاء طقساً يعيد ترتيب العالم بعد انهياره، وكانت الدموع شكلاً من المقاومة الهادئة ضد العدم، كما كان يحتاج إلى صمتٍ طويل، إلى وجوهٍ تتقاسم الدموع، إلى ذاكرةٍ تُعاد سردها كي لا يختفي الراحل تماماً.

كان الحداد إعلاناً بأن الحياة، رغم انكسارها، ما زالت تملك معنى يستحق الدفاع عنه. أما الآن، فقد انهارت طقوس الحزن كما انهارت البيوت؛ لم يعد هناك وقت لنظرة وداع، ولا مساحة لاستيعاب الغياب. صار الإنسان يودّع أحبّته وهو يركض نحو نجاةٍ مؤقتة، كأن الحياة تطالبنا بالخيانة القسرية لمشاعرنا كي نستمر.

أما الآن، فقد أصبح الموت أسرع من الذاكرة. لا وقت للوداع، لا متّسع للذهول، ولا فرصة كي يكتمل الألم. تتوالى الخسارات حتى يفقد القلب قدرته على التمييز بين اسمٍ وآخر، بين وجهٍ وآخر، بين مأساةٍ وأخرى. صار الموت وفيراً إلى درجة أنه ألغى فرادته، وحين يفقد الموت فرادته يفقد الحزن معناه.

نحن لا نعيش الحزن؛ نحن نختنق به دون أن نشعر. كأن الروح، دفاعاً عن نفسها، أغلقت أبواب الإحساس. أصبح التبلّد شكلاً غامضاً من النجاة، لا هو حياة تُعاش، ولا موت يُنهي العذاب. نمشي بين الركام كمن يسير داخل حلمٍ ثقيل، نرى الفقد يتكرر حتى يتآكل إدراكنا له. لم نعد نبكي لأن الدموع نفسها لم تعد تعرف على من تسقط.

الإبادة هنا لم تقتل الأجساد فقط، بل عطّلت الزمن الداخلي للإنسان. سلبتنا القدرة على التوقّف، على التأمل، على الحداد. جعلتنا كائنات مؤجلة المشاعر، نحمل حزناً هائلاً بلا منفذ، كبحرٍ حُبس داخله الموج. الحزن صار هواءً يومياً: غير مرئي، غير قابل للانفجار، لكنه يملأ الرئتين بثقلٍ لا يُحتمل.

نعيش مفارقة وجودية قاسية: نحن غارقون في الفقد إلى درجة أننا لم نعد قادرين على الشعور بالفقد. لم تعد الكارثة ما يحدث لنا، بل ما يحدث داخلنا بصمت؛ ذلك الفراغ الذي يتمدد حين يعجز الإنسان عن الحزن، وحين يصبح الألم عادياً إلى حدّ فقدانه لمعناه.

ربما هذه هي الذروة الأكثر وحشية للإبادة: أن تُحوّل الإنسان إلى شاهدٍ بارد على مأساته، أن تسلبه حتى امتياز الانهيار. أن يبقى القلب نابضاً، لا لأنه يريد الحياة، بل لأنه لم يُمنح فرصة التوقف.

نحن جيلٌ لم يُسمح له بالحداد. جيلٌ اختُطف من الحياة قبل أن يفهم ما الذي فقده. نمشي بين الركام حاملين موتانا داخلنا، بلا جنازاتٍ كافية، بلا قبورٍ تتّسع للأسماء، بلا دموعٍ تليق بكل هذا الغياب. الحزن هنا لم يختفِ؛ لقد تضخّم حتى خرج عن اللغة، عن البكاء، عن القدرة البشرية على التعبير.

وهنا تبلغ الإبادة ذروتها الفلسفية: حين يتحول الإنسان من كائنٍ يشعر بالألم إلى كائنٍ يراقب ألمه من الخارج. حين يصبح البقاء نفسه عبئاً أخلاقياً، لأن النجاة تعني أن تشهد موت العالم قطعةً قطعة دون أن تملك حق الانهيار.

لم تعد المأساة أننا نموت؛ المأساة أننا نعيش بعد كل هذا، بلا يقينٍ أننا ما زلنا أحياء من الداخل.

نأكل، نمشي، نتنفس… لكن شيئاً جوهرياً فينا توقّف بصمت، فنحن لا نحيا بعد الآن، بل نستمر... ولا نحزن، بل نحمل حزناً متجمداً يشبهنا: حاضرٌ في كل شيء، وغائبٌ عن كل إحساس.

إنها اللحظة التي يصبح فيها البقاء نفسه نوعاً من الفقد، ويغدو الإنسان غريباً عن ذاته، كأن جزءاً منه قد دُفن بصمت، بينما الجسد يواصل السير فوق أرضٍ لم تعد تعرف معنى الحياة ولا معنى الموت.

لقد نجحت الإبادة في ما هو أخطر من القتل: لقد جعلتنا نعتاد الكارثة، وجعلت الحزن نفسه يفقد صوته، حتى صار الإنسان هنا لا يبكي الموت… بل يبكي عجزه عن البكاء، وذلك، ربما، هو الشكل الأكثر رعباً للفناء:

أن يبقى الجسد واقفاً، بينما الروح تنسحب منه ببطء، دون صرخةٍ أخيرة، ودون جنازة... إنهم فعلا سرقوا منا الحزن ...!

Facebook X (Twitter) WhatsApp
غزة حرب الإبادة الوضع الإنساني

آخر الاخبار

هل تحوّلت مهمة إنقاذ الطيار في إيران إلى خسارة عسكرية فادحة؟

هل تحوّلت مهمة إنقاذ الطيار في إيران إلى خسارة عسكرية فادحة؟

ترامب يمدد المهلة ويصعّد التهديد: اتفاق محتمل مع إيران خلال ساعات أو ضربات واسعة

ترامب يمدد المهلة ويصعّد التهديد: اتفاق محتمل مع إيران خلال ساعات أو ضربات واسعة

رئيس أركان إسرائيل: نسعى لنزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني وتغيير الواقع الأمني

رئيس أركان إسرائيل: نسعى لنزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني وتغيير الواقع الأمني

لجنة الانتخابات تطلق حملة توعية للانتخابات المحلية في الضفة ودير البلح

لجنة الانتخابات تطلق حملة توعية للانتخابات المحلية في الضفة ودير البلح

الأكثر قراءة

1

الإمارات تغلق سفارتها في طهران وتسحب بعثتها الدبلوماسية

2

ما هو تفسير حلم الإجهاض للمتزوجة غير الحامل؟

3

هذا تفسير حلم سقوط سن واحد علوي في المنام

4

ما هو تفسير رؤية ترك العمل في الحلم؟

تابعنا على فيسبوك

المقالات المرتبطة

تشريع الإعدام وإعادة تعريف الفلسطيني: من إدارة الصراع إلى هندسة الإبادة

تشريع الإعدام وإعادة تعريف الفلسطيني: من إدارة الصراع إلى هندسة الإبادة

مضيق هرمز، (كعب أخيل) ترامب والعالم .. وحسم عسكري يلوح في الأفق

مضيق هرمز، (كعب أخيل) ترامب والعالم .. وحسم عسكري يلوح في الأفق

غزة: إعادة تدوير الخسارة....!

غزة: إعادة تدوير الخسارة....!

تابعنا على فيسبوك

شبكة مصدر الاخبارية

مصدر الإخبارية، شبكة إعلامية فلسطينية مستقلة، تُعنى بالشأن الفلسطيني والإقليمي والدولي، وتولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية بالدرجة الأولى

فلسطينيو 48 عربية وإقليمية تقارير خاصة محلية اقتصاد الأسرة الأسرى منوعات اللاجئين القدس سياسة أقلام اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة لمصدر الإخبارية © 2025

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
BandoraCMS  Powered By BandoraCMS
سيتم تحسين تجربتك على هذا الموقع من خلال السماح بملفات تعريف الارتباط.