نشر الصحفى والكاتب زياد حلبي على صفحته عالفيسبوك
في لحظةٍ تتكاثف فيها طبقات الصراع، لا يعود التشريع فعلاً قانونياً صرفاً، بل يتحول إلى بيان سياسي مكثف، وإشارة اتجاه في مسار الدولة. هكذا يمكن قراءة إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي دفع به وزير الأمن القومي -المتطرف باعتدال يشبه قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي هذه الايام - إيتمار بن غفير، ليس باعتباره حاجة قانونية مستجدة، بل كأداة في معركة داخلية على هوية إسرائيل، وعلى طبيعة القوة التي تريد أن تكونها.
من الناحية الشكلية، يبدو القانون وكأنه يسدّ فراغاً تشريعياً. لكن الوقائع تقول عكس ذلك. فالضفة الغربية المحتلة تخضع لنظام قانوني مزدوج، هو في جوهره أحد أكثر أشكال الفصل القانوني العنصري وضوحاً : نظام مدني كامل للمستوطنين الإسرائيليين، ونظام عسكري للفلسطينيين، بحكم كون إسرائيل قوة قائمة بالاحتلال. وفي هذا النظام العسكري، يملك القضاة أصلاً صلاحية إصدار أحكام بالإعدام، وإن كان ذلك نادراً. الجديد الذي جاء به القانون ليس المبدأ، بل تخفيف شروطه، عبر الاكتفاء بأغلبية القضاة بدل الإجماع، أي تحويل الإعدام من إجراء استثنائي إلى أداة أكثر قابلية للاستخدام.
لكن المسألة أعمق من مجرد تعديل إجرائي. فالنظام القائم في الضفة لا يطرح فقط سؤال العدالة، بل سؤال بنية السلطة نفسها: الحاكم والخصم واحد. ضابط عسكري يمثل سلطة الاحتلال، يعتقل، ويحقق، ويقدّم لائحة الاتهام، ويشرف على محكمة عسكرية تحاكم الفلسطيني. في المقابل، المستوطن الذي يعيش في الجغرافيا ذاتها، يخضع لقانون مدني إسرائيلي كامل، بمحاكم وضمانات مختلفة تماماً. هذا الازدواج ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو جوهر نظام يقترب، في توصيفات متزايدة حتى داخل دوائر قانونية غربية، من نموذج الفصل العنصري.
وفي هذا السياق تحديداً، يكتسب القانون الجديد دلالته الأخطر: ليس فقط لأنه يسهل إصدار حكم بالإعدام، بل لأنه يفعل ذلك داخل منظومة لا تتساوى فيها شروط المحاكمة من الأساس. أي أن العقوبة القصوى تُطبّق في إطار أدنى من معايير العدالة، وهذا بحد ذاته كفيل بإثارة جدل قانوني وأخلاقي واسع.
القانون الذي يستثني اليهود من عقوبة الإعدام بالطبع ويقصرها على الفلسطينيين، يطال اساسا اهل الضفة الغربية ، التي تخضع لقانون عسكري وهي الجغرافيا التي تهم اليمين الذي يسعى إلى تهجير وتقليص الوجود الفلسطيني فيها ولا يطال حتى مقاتلي النخبة من حماس في غزة.
غير أن البعد الأهم، والذي قد يغيب في التحليل القانوني البارد، يتعلق بمكانة الحركة الأسيرة في الوعي الفلسطيني. فالأسرى ليسوا مجرد أفراد قيد الاحتجاز، بل يشكلون أحد أعمدة الهوية الوطنية الفلسطينية، ورمزاً نضالياً عابراً للفصائل والانقسامات. تاريخياً، لعبت الحركة الأسيرة دوراً مركزياً في صياغة الوعي السياسي، وفي إنتاج قيادات، بل وفي بلورة وثائق مفصلية في المسار الفلسطيني. داخل السجن، لم يكن الأسير مجرد رقم، بل فاعلاً سياسياً، ومخزوناً رمزياً للمجتمع.
من هنا، فإن قانوناً يستهدف هذه الفئة تحديداً، حتى لو لم يكن بأثر رجعي على الاسرى الحاليين ، لا يُقرأ كإجراء أمني ، بل كرسالة سياسية مباشرة إلى المجتمع الفلسطيني بأسره. هو لا يهدد أفراداً بقدر ما يستهدف رمزاً، ويحاول إعادة تعريف ثمن الفعل السياسي المقا١وم . وفي هذا المعنى، يتحول القانون إلى أداة ضغط جماعي، لا مجرد أداة ردع فردي.
وتزداد المفارقة وضوحاً حين يُوضع هذا القانون إلى جانب الواقع الميداني. فالإعدام، في صورته الفعلية، قائم بالفعل خارج إطار القضاء. قواعد إطلاق النار الواسعة، وانعدام المساءلة في كثير من الحالات، جعلا من القتل الميداني جزءاً من المشهد اليومي. ما يضيفه القانون، إذن، ليس “الإعدام” بحد ذاته، بل شرعنته، ونقله من هامش الممارسة إلى متن النص. فإسرائيل، في الممارسة الميدانية، لا تنتظر محاكمات لتطبيق “عقوبة الإعدام”. سياسة إطلاق النار على الفلسطينيين في حالات يُقدَّر فيها “الخطر”، تحولت إلى قاعدة عملياتية راسخة. في القدس، في الخليل، وفي نقاط الاحتكاك اليومية، يكفي تقدير جندي أو مستوطن بأن ثمة تهديداً، حتى يفتح النار. هذه ليست روايات متنازع عليها، بل وقائع موثقة، شهدتُ بعضها بنفسي في باب العمود: فتى يلوّح بمقص ويركض ، يُصاب أولاً، ثم يُجهز عليه، في مشهد يُبث على الهواء، بلا محاكمة، وبلا مساءلة لاحقة
سياسياً، لا يمكن فصل القانون عن حسابات الداخل الإسرائيلي. إيتمار بن غفير يخاطب جمهوراً يمينياً يرى في التصعيد العقابي تعبيراً عن استعادة الردع، ويبحث عن سياسات حاسمة تتجاوز قيود القضاء التقليدي. القانون، في هذا السياق، هو أيضاً أداة تعبئة انتخابية، وورقة في صراع داخل اليمين نفسه على من يذهب أبعد في استخدام القوة.
لكن في المقابل، يفتح هذا المسار أبواباً معاكسة. انتقادات دولية حتى من حلفاء تقليديين، تساؤلات قانونية حول التمييز في التطبيق، واحتمال تدخل المحكمة العليا الإسرائيلية، خاصة إذا بدا أن القانون يُطبّق بشكل انتقائي. وهنا تدخل إسرائيل مرة أخرى في تناقضها المزمن: بين صورتها، التي تسوقها خارجياً، كدولة قانون، وممارساتها كقوة احتلال.
في المحصلة، لا يغيّر هذا القانون ميزان القوى على الأرض بقدر ما يكشف طبيعة المرحلة. مرحلة يُعاد فيها تعريف القانون ليخدم الصراع، لا ليضبطه. وحين يُسنّ قانون بهذا الوزن داخل منظومة قانونية غير متكافئة، ويستهدف رمزاً مركزياً كالحركة الأسيرة، فإن معناه يتجاوز النص: إنه إعلان عن انتقال من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيله مع عدم وجود أي حدود بين القوة والقانون.