بين الأسقف المتراصة فوق بعضها، وركام البيت المدمر، كان براء أبو هولي يزحف ببطء نحو خزانة دُفنت تحت الأنقاض، تحمل أوراقًا تمثل حياته وهويته. وعندما اقترب منها، بدأ السقف ينهار تدريجياً والحجارة تتساقط من حوله، لكنه نجا بأعجوبة من الموت.
كان يعلم حجم الخطر، لكنه خاطر بحياته مرات عدة من أجل إنقاذ تلك الأوراق. رغم محاولاته المتكررة، فشل في إخراج سوى بعض القصاصات المتناثرة، التي لم تكن صالحة لأي شيء لتتضاعف معاناته في رغبتي للسفر .
خلال الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة والمفاجئة للمنازل ومراكز الإيواء، لم تكن العائلات الغزية تملك خيارًا سوى النجاة بأرواحها، دون أن تتمكن من أخذ أي شيء معها، حتى حقائب الطوارئ التي اعتادت الأسر تجهيزها خلال الحروب والتصعيدات، تُركت خلفها تحت الركام.
ففي لحظات القصف، كان الهروب للنجاة بالحياة أولوية تتقدّم على كل ما سواها من أوراق أو ممتلكات.
تقول ناريمان شلدان لشبكة مصدر الإخبارية: "منذ اليوم الأول للحرب كنت قد جهزت حقيبة الطوارئ التي احتوت على الوثائق والمستندات الرسمية، وضعت فيها شهادات ميلاد أبنائي، وشهاداتهم المدرسية، وشهادة وفاة ابني أحمد. لكننا لم نُمنح الوقت الكافي للفرار بها، فأسرعنا للنجاة بأرواحنا، بعد اتصالٍ مباشر من جيش الاحتلال طلب منا فيه إخلاء المنزل للاستهداف، تاركين الحقيبة خلفنا، حيث دُفنت تحت أنقاض منزلنا الذي دُمّر .. لنُصبح اليوم بلا أوراق".
وتضيف شلدان: "أهم تلك الأوراق كانت شهادة الثانوية العامة الخاصة بابنتي ناريمان، الأمر الذي يعيق التحاقها بالجامعة وتحقيق حلمها في دراسة الهندسة".
وأشارت إلى أن محاولاتهم المتكررة لاستخراج بدل لهذه الشهادة كانت صعبة جداً، مضيفة أن "استخراج بدل فاقد لإثبات رسمي يُعد إجراءً روتينيًا في الظروف الطبيعية، لكنه في غزة يتحول إلى مهمة شاقة مليئة بالعقبات".
ويعود ذلك إلى تدمير المدارس والجامعات والمديريات التعليمية، بما فيها خوادم الأرشفة الرقمية، ما جعل فقدان النسخ الورقية والإلكترونية كارثة مضاعفة.
بطاقة بحجم الكف .. عائق أمام الحياة
لم يكن النزوح خياراً لأهالي غزة، بل فرض عليهم تحت نار القصف واضطر الاف العائلات لترك منازلهم حاملين ما استطاعو من ممتلكاتهم وذكرياتهم، وفي ظل حالة الذعر والفرار العاجل، ضاعت الكثير من الوثائق الرسمية .
من جهته يقول الشاب محمد مصطفى :"خلال نزوحنا من شمال القطاع الى جنوب على عجلةٍ محاولين الفرار بأرواحنا سقطت من بين يدي هويتي، ليتحول فقدانها إلى عائق كبير أمام أبسط الحقوق والخدمات".
يتابع مصطفى : "بعد محاولات طويلة في البحث عن فرصة عمل بعد عقباتٍ كثيرة، تمكنت أخيرًا من الحصول على وظيفة مؤقتة، لكن فرحتي لم تكتمل، إذ اصطدمت بعقبة جديدة: لم أتمكن من فتح حساب بنكي لتحويل راتبي، لأن البنك اشترط وجود الهوية الشخصية الخضراء.
أوضحت لهم أنني فقدتها خلال نزوحي وأني أملك بطاقةً تعريفية ونسخةً الكترونية للهوية، لكن ذلك لم يكن كافيًا، وقال لي الموظف أن الهوية الأصلية شرط لا يمكن تجاوزه
تلك البطاقة الصغيرة التي لا تتعدى حجم الكف، أصبحت اليوم حاجزًا بيني وبين لقمة العيش، وبين شقاء السنين وأبسط حقوقي كباقي الناس."
وفي السياق، أوضح إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة لشبكة مصدر، أن تعذّر إصدار أو تجديد بطاقات الهوية لا يعود إلى تقصير إداري، بل إلى أسباب قهرية مباشرة ناجمة عن ممارسات الاحتلال.
وأكد الثوابتة أن ملف إصدار بطاقات الهوية يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، نظراً لارتباطه بمنظومة فنية وأمنية متكاملة تشمل مواد خاصة، ونماذج رسمية معتمدة، وأرشيفاً مركزياً، إضافة إلى بنية تحتية للطباعة تعرضت جميعها للتعطيل أو التدمير بفعل العدوان والحصار.
وأضاف: "في ظل هذه الظروف الاستثنائية، اعتمدت وزارة الداخلية – الشق المدني – حزمة من الحلول المؤقتة للتخفيف عن المواطنين، تمثلت في إصدار بطاقات تعريفية مؤقتة مستندة إلى قاعدة البيانات المركزية المعتمدة، واعتماد هذه الوثائق رسمياً لدى الجهات الحكومية والمؤسسات الإغاثية والدولية، مع الحفاظ على النسخ الرقمية للبيانات لضمان سلامتها ومرجعيتها المستقبلية"
وشدد الثوابتة على أن ما يجري في ملف الوثائق الثبوتية، وخاصة بطاقات الهوية، هو نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال التقييدية.
ورغم ذلك، تواصل الجهات الحكومية أداء واجبها بأقصى الإمكانيات المتاحة، وتوفر بدائل قانونية معتمدة، داعيةً المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته، والضغط لوقف هذه الانتهاكات التي تمس جوهر الحقوق الإنسانية والمدنية لسكان قطاع غزة.
تظهر أزمة فقدان الوثائق الثبوتية في غزة جانباً اخر من اثار حرب امتدت لأكثر من عامين، استهدفت طمس الهوية الفلسطينية ومحو كل المعالم التي تثبت أحقية الفلسطيني بأرضه، وفقدانه للأوراق التعريفية وعدم تمكنه من اصدار بدائل لها ليصبح عاجزاً عن إثبات هويته وإيجاد ذاته.