عن منظمة التحرير

غزة _ مصدر الإخبارية

بقلم د. عاطف أبو سيف

بات عقد دورة للمجلس المركزي محسوماً ووشيكاً مع وجود جملة من الاستحقاقات الوطنية والداخلية التي تجعل من هذه الدورة مفصلية، سيما أنها تأتي بعد أكثر من ثلاث سنوات على عقد الدورة السابقة.

المؤكد أن هناك استشعاراً لضرورة عقد تلك الجلسة من أجل إعادة وضع النقاط على الحروف في مجموعة من القضايا الداخلية، التي لم يعد ثمة وقت للانتظار في إنجازها من أجل ترتيب الوضع الداخلي والبيت الفلسطيني.

ومع وجود مجموعة أكبر من الاستحقاقات، مثل الدورة الثانية من الانتخابات البلدية، ومؤتمر حركة “فتح” العام، فإن عقد جلسة ناجحة للمجلس المركزي سيعني الكثير حول جدية الاستحقاقات التالية.

والمؤكد أن الحاجة لعقد جلسة للمجلس تتجاوز كونها استحقاقاً زمنياً مر عليه وقت طويل، بل إنها خطوة مهمة من أجل إعادة صياغة المرحلة المقبلة سياسياً.

كانت وستظل منظمة التحرير هي أساس النظام السياسي الفلسطيني، وهياكلها هي الهياكل الناظمة لهذا النظام، فهي صاحبة الولاية السياسية والقانونية على الشعب الفلسطيني، وهي المؤتمنة على حقوقه غير القابلة للتصرف، وهي قائدة نضاله التحرري من أجل استعادة بلاده وتحريرها وعودته لها.

وستظل تلك الأهداف السامية التي تأسست بناء عليها هي الأهداف العليا للكفاح الوطني.. إنها الأهداف التي تجعلها مظلة هذا الكفاح والبيت الفلسطيني الجامع لكل أطياف ومكونات الشعب حيثما كان.

إن المنظمة لم تكن مجرد ائتلاف جبهوي حزبي، بل هي إرادة جماهيرية تحدد معالم الكفاح التحرري لشعب فلسطين. ولم يكن وجودها صدفة ولا هو تعبير عن رغبة خارجية، مهما قيل عن رغبات الدول العربية من وراء دعم إنشائها في ستينيات القرن الماضي. من المهم أن نتذكر أنه في الوقت الذي كان يسعى فيه لإقامة منظمة التحرير، كان الفتية البواسل قادة الثورة الفلسطينية ومطلقو شرارتها أيضاً يجلسون سراً يخططون لإطلاق شرارة الثورة.

وهذا التزامن لم يكن صدفة، إذ إنه عنى نضوج الوقت من أجل استقلال القرار الوطني الفلسطيني، وإعادة الاعتبار للشعب الفلسطيني في قيادة مشروعه التحرري. وما أن اكتمل بناء المنظمة ومؤسساتها وباتت قادرة عن التعبير عن مواقفها، حتى كانت الثورة الفلسطينية أيضاً قد قدح زندها واستوى عودها، فتلاقت المؤسسة مع الرغبة الجماهيرية، واكتملت الهيئات القائمة مع البندقية المقاتلة في الجبهة.

كان وجود المنظمة ضرورياً وحتمياً كما كان انطلاق الثورة ضرورياً وحتمياً. لعقود ظل الشعب الفلسطيني – من باب إيمانه بالتضامن العربي – يبحث عن التوافق مع القرار العربي الموحد، وظلت القيادات العربية تشكل مرجعية مهمة بالنسبة لشعب آمنَ بأن المقصود ليس فلسطين وشعبها، بل الشعب العربي والمنطقة العربية. اختلط في ذلك الشك باليقين، ولم يعد مع الخبرات المتراكمة منذ التآمر على ثورة العام 1936، وصولاً للنكبة والهزائم المتلاحقة، من الممكن التيقن بأن ثمة مصلحة في مواصلة مصادرة الإرادة الفلسطينية من قبل الأنظمة العربية.

في الأساس كان وجود المنظمة كما انطلاق الثورة الفلسطينية تعبيراً عن حاجة فلسطينية واستثماراً في طاقات فلسطينية. والشقيري الذي أريد له أن يكون ممثلاً للدول العربية عند الشعب الفلسطيني، عاد لتلك الدول متحدثاً باسم الشعب الفلسطيني، مطالباً بتمكينه مؤسساتياً كخطوة أولى تجاه تمثيل نفسه في المحافل الدولية. كانت المسيرة المريرة التي شكلت فيها الأنظمة العربية قوة قامعة للصوت الفلسطيني بحجة الدفاع عن مصالحه تقف أمام عين كل فلسطيني. صحيح أن ثمة تضحيات كبيرة تمّت في سبيل فلسطين وصحيح أن آلاف الشهداء ارتقوا دفاعاً عنها، ولكن المحقق أن الانتصار لم يكن غاية الجيوش العربية حين دخلت فلسطين، ومن باب الظن الإيجابي، أن تحقيق الانتصار كان أمراً غير محقق.

عموماً، إن وجود المنظمة وبصرف النظر عن ملابسات هذا الوجود، ورغبات القوى العربية من ورائه، أو غاياتها الأساسية وهي تساهم في وجوده، شكّل انتقالة مهمة تجاه استعادة الشعب الفلسطيني زمام المبادرة في قيادة مصيره وفي تقرير مستقبله. إرادة تلاقت مع الفعل الكفاحي للفدائي الفلسطيني وهو يهزم الجيش الذي قهر الجيوش العربية.

في هذا التلاقي بين الأسطرة والنمذجة وبين المؤسسات التي باتت قائمة، تم خلق تلك الشرعية المذهلة لمنظمة التحرير.

يخطئ من يريد أن يستبدل منظمة التحرير إذا اعتقد أن الأمر مجرد إعلان لمؤسسات أو هيئات أو مؤتمرات، فالقصة ليست شكلية ولا سطحية، فالمنظمة تعبير عن تلاقي الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني وكفاحه الحقيقي من أجل بلاده، إنه التعبير الذي تم تجسيده لاحقاً فيما عرف بالقرار الوطني المستقل الذي يرفض رهن المواقف الفلسطينية والإرادة الحرة للشعب الفلسطيني لأي دولة عربية من أجل الدعم أو المساندة، كما يرفض جعل بندقية الشعب الفلسطيني وتضحياته أداة في معارك الغير.

كل هذا يبدو ضرورياً من أجل التأكيد على أن عقد جلسة المجلس المركزي مهم؛ لأن منظمة التحرير وحدها البيت الآمن للخروج من الأزمات، ولأن مؤسسات منظمة التحرير هي السقف الذي يجب على الجميع أن يحتكم تحته من أجل إعادة وضع البوصلة في الاتجاه الصحيح. وربما الأكثر ضرورة أن تنتظم جلسات المجلس في ظل غياب المؤسسة التشريعية الخاصة بالسلطة الفلسطينية مع تعطيل الاحتلال لإجراء الانتخابات الشاملة التي تضم القدس . الأساس أن تظل مؤسسات منظمة التحرير حية وفاعلة حتى تواصل تمثيلها للشعب الفلسطيني ولحقوقه.