أكذوبة النزوح الآمن.. كيف فرقت عائلة عبد الله للأبد؟

ويتابع الأفغاني أنّه لا يعلم سيجتمع بأبنائه ريتال ومحمد مرة أخرى أم لا، مضيفًا أنّه تعهد لهم بأن يفني حياته لأجلهم واحتضانهم.

خاص- مصدر الإخبارية

منذ نزوح زوجته وأبنائه من منزلهم في حي الشجاعية شرق قطاع غزة، كان الحكيم عبد الله الأفغاني “37 عامًا”، على تواصل دائم معها يتبادلان الآلام والأوجاع والدعاء.

غيبت الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ 9 أشهر على القطاع، نور من حياة عبد الله التي كانت نور حياته، ونجله يوسف رفيق قلبه.

يعيش الأفغاني حالة من الصدمة بعد أن تلقى خبر استشهادهم في تاريخ 5/6/2024 الساعة 8 صباحًا، ولم يتمكن من وداعهم بسبب الحواجز الإسرائيلية التي تمنعه من الوصول إليهم.

كان عبد الله يعيش حالة من القلق والخوف على زوجته وأبنائه مع استمرار تصريحات وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يوآف غالات، والناطق باسم جيشه دانييل هغاري لا تتوقف وتحمل العديد من التهديدات لغزة وسكانها.

وأرغم الجيش الآلاف من المواطنين على النزوح من شمالي القطاع إلى محافظات الوسطى والجنوب.

اضطرت نور وأبنائها لمغادرة منزلهم في حي الشجاعية بعد عشرة أيام من بدء الحرب خوفًا على حياتهم، على أمل أن يلحق بها عبد الله بعد يوم أو اثنين، إلا أنه لم يستطع أن يجتمع معهم بسبب الأوضاع وانقسام غزة إلى قسمين شمال وجنوب.

عائلة الحكيم عبد الله الأفغاني – غزة – فلسطين

ومنذ بدء العملية البرية العسكرية أقام الاحتلال حواجز عسكرية يتحكم من خلالها في مصير العائلات النازحة إما باعتقالهم وقتلهم والإخفاء القسري، ومنع عودتهم من الجنوب إلى الشمال.

وفي أول رحلة نزوح مكثت نور مع أبنائها ووالدتها وآخرين من أفراد عائلتها وآلاف النارحين بمنطقة خربة العدس داخل صالة أفراح في رفح جنوب غزة.

يقول الأفغاني ل”شبكة مصدر الإخبارية”: “زوجتي لما نزحت كانت حامل في شهرها الرابع كانت رحلة النزوح لوحدها هيا والأوانا كنت ناوي الحقهم بعد كام يوم ولكن الأمور ساءت وكان حاجز نيتساريم”.

ويضيف: “لما طلعت زوجتي بكت ووعدتني أن تعتني بنفسها جيدًا وأنا بكيت ووعدتها انا ألحق بها وبكيت لوداعهم عناقتها هي والأولاد ولم أكن أعلم بأنه العناق الأخير”.

وفي تاريخ 30/1 وضعت نور مولودها وكان ذكرًا واتفقا على الهاتف أنه سيكون اسمه محمد، كان عبد الله سعيدًا بقدوم طفله ولكنها فرحة منقوصة لأنه لم يكن معها كما كان معها دائمًا في جميع ولاداتها.

وأثار القلق والخوف على قلب عبد الله بعد أن أعلن جيش الاحتلال بدء العملية البرية في رفح، خلال هذه الفترة كان دائم الاتصال بها خشية من أن يصيبهم مكروه.

ويردف الثلاثيني المكلوم: “نزحت زوجتي والأولاد من رفح إلى بحر الزوايدة وسط قطاع غزة، كانت الطريق شاقة ومتعبة ومحفوفة بالمخاطر واستقرت في الزوايدة مدة عشرة أيام، وتعبت من وضع البحر والخيم والشمس، فقررت النزوح إلى أرض شرق دير البلح في وادي السلقا نزحت إليها هي والأولاد وأختي وأهل زوج أختي”.

وبعد يوم من مكوثهم شرق دير البلح، بدأ جيش الاحتلال عملية عسكرية في المناطق الشرقية، وأصبحوا في خطر، وفي الوقت ذاته كانت تبحث عن طبيب لمعالجة مولودها محمد بعد ارتفاع درجة حرارته.

ويُردف الأفغاني: “بعد ليلة صعبة غادرت نور المكان لمعالجة المولود في مستشفى شهداء الأقصى، كانت تحمل محمد في حضنها وتمشي بجانب والدتها، ويامن ويوسف وريتال وخالتهم سابقينها على بعد خطوات، فوجئوا بوجود دبابة على بعد أمتار”.

اخترقت قذيفة خرجت من الدبابة الإسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة ظهرها واستشهدت على الفور، وأصيبت والدتها بجروح خطيرة فلحقت بابنتها، ركض يوسف ليرى والدته فأصيب بقذيفة في دماغه بحالة خطيرة وبعد ساعة لحق بوالدته وجدته شهيدًا.

وأصيب محمد وريتال بجروح طفيفة، ووريت جثامينهم في مقبرة بمدينة دير البلح دون أن يلقي عبدالله نظرة الوداع الأخيرة على زوجته وابنه، فيما بقي 3 من أبنائه نازحين في خيمة بمنطقة الزوايدة.

ويتابع الأفغاني أنّه لا يعلم سيجتمع بأبنائه ريتال ومحمد مرة أخرى أم لا، مضيفًا أنّه تعهد لهم بأن يفني حياته لأجلهم واحتضانهم.

ويصف الحياة بعد نور ويوسف بالصعبة جدًا ولم يعد قادرًا على استيعاب الصدمة، قائلًا: “كنت مشتاقلهم كتير ونفسي أشوفهم أو أحضنهم وانسى هم الدنيا لكن الموت كان أسرع”.

ويستذكر الشاب الثلاثيني بأن يامن يطمح في المستقبل أن يكون مهندس، وريتال كان تصبح معلمة، مردفًا: “أما يوسف قالي نفسي أصير زيك دكتور يا بابا”.

ويكمل قوله: “كلمني يوسف قبل ما يستشهد بيومين كان نبرته فيها حزن بسألو مالك زعلان قاللي أنا مش زعلان أنا بس أشتقتلك يابابا ونفسي أشوفك رديت عليه ان شاء الله بشوفك وبحطك بحضني وانبسط اكتير وصار يضحك معي

بس للأسف ما لحق كان الموت أسرع منه”.

وفي آخر تواصل مع عبد الله ونور أرسل لها رسالة نصية كتب فيها: “قلبي بحاول أتصل فيكي.. طمنيني كيف أنتم؟”، فردت في آخر رسالة قصيرة لها: “نحن بخير لا تقلق.. دعواتك مثل كل يوم”.