التفكير في تفكيرنا: دعوة إلى تحرير الوعي

مقال- رضا جابر

في مقدمة كتابه “الاستشراق” يرتكز المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد بمشروعه النقدي على فكرة غرامشي في دفاتر السجن القائلة “إن نقطة انطلاق الإعداد النقدي هي وعي المرء لما هو عليه حقا مدركًا ذاته كمنتوج للسيرورة التاريخية حتى اللحظة الراهنة، التي تضع فيها آثارًا لا حصر لها، دون أن تترك جردًا بها…لذلك فإنه من الضروري تماما أن يصار إلى وضع هذا الجرد منذ البداية”. انطلاقًا من هذه الفكرة يقول سعيد “فقد كانت دراستي ‘الاستشراق’ محاولة لجرد الآثار التي تركتها علي، أنا الذات الشرقية، تلك الثقافة التي كانت سيطرتها عاملًا بالغ القوة في حياة جميع الشرقيين”.

(إدوارد سعيد, الإسلام والغرب, مقالات ودراسات مختارة, تقديم فيصل دراج, ص 9-10)

إن الفكرة المركزية لمقالتي هي تبني هذا الاتجاه في النقد أي الحاجة الملحة لعملية “الجرد منذ البداية” أو الجرد للآثار التي تركتها علينا وفينا نحن “الذات” الفلسطينية ثقافة إسرائيلية سيطرتها علينا بالغة القوة في تشكلنا. إننا بحاجة لعملية تصفية حساب مع هذه العناصر الثقافية والسياسية التي صاغت ذاتنا كفلسطينيين داخل إسرائيل. وهي فعلت ذلك دون وعي وانتباه منّا، بل بعملية تسرب وتشرب بطيئة وعنيدة. الهدف هو أن نعيد لأنفسنا السيطرة على ذاتنا بالمعني العميق لهذه الذات، وكذلك السيطرة الحقيقية على فهمنا لواقعنا وبالتالي تمكيننا من صوغ تطلعاتنا للمستقبل. وذلك بأن نتمكن من الوقوف على أرضية واثقة، خالية قدر المستطاع، من التشويهات والتمويهات والتحيزات التي زرعت داخل هذه الذات بعملية تاريخية معقدة ومركبة منذ النكبة وآثارها المدمرة مرورًا بالتفاعل بين الضاغط الداخلي (تغيرات وصيرورات اجتماعية وثقافية واقتصادية داخلية لها ارتباط وثيق بمكانتنا داخل إسرائيل) والضاغط الخارجي (إسرائيل كنظام وثقافة مسيطرة، مجتمع الأغلبية وتأثيره وتطورات متجاذبة لمحيط عربي يمر بعمليات تحطم وتكوين مستمرة كلها تتفاعل مع الضاغط الداخلي بعملية جدل لا تكتمل).

أي أنها الحاجة إلى تتبع الآثار التي تركتها علينا وفينا هذه العناصر الثقافية والسياسية والتي تسللت وتشربت إلى وجدان ووعي مجتمعنا وصاغت “ذاته” ورؤيته لنفسه والآخر والعلاقة به. التفكير بالسياسة دون هذه العملية سيبقينا دائمًا نفكّر من داخل الإطار الضيق والمقيد الذي وضعنا داخله والتحرّر منه هو عملية تحرر من سطوة الآخر على وعينا لذاتنا وأيضا إطلاق لإمكانيات كامنة فينا.

إذًا فان هذا الجرد ليس عملية نظرية بحتة، بل إنها عملية كشف وتحييد هي أساسية لتصويب أفكارنا لكي ننطلق أولا، لفهم واقعنا فهما عميقا يؤسس لفعل يتناسب معه وثانيا، لننطلق بعملية مزدوجة من الفعل داخل مجتمعنا وأيضا باتجاه المفاعيل الخارجية، إسرائيليا بالأساس، ولكن أيضا بسياق المحيط الأوسع كجزء من عالم عربي نحن جزء عضوي فيه وان أنكرنا أحيانا هذا البعد، متعمدين وأحيانا متغافلين، غالبا بتسويغ أننا استثناء ذو خصوصية.

ما هي أدواتنا لنفعل ذلك؟

إن الأداة الأهم هي تبني التفكير النقدي كأسلوب أساسي وهذا يعني أولا اخضاع تفكيرنا نفسه وأساليبه لعملية فحص وتشريح حقيقية. فالأمر الغالب هو نقد منتجات هذا التفكير يتسم بالوصف فقط على حساب المحاولة الجادة لكشف المحركات والتفاعلات المنتجة له. والتفكير النقدي الذي أدعو إلى تبنيه يتجاوز الفهم السائد على المستوى العام والذي اتخذ من فكرة إعلان الموقف الحاد في أمور في الشأن العام كسمة طاغية لمثل هذا التفكير. إنما هو التفكير في التفكير نفسه. إن الثقافة العربية مرت بمراحل مهمة في محاولتها تبني هذا التفكير فالجابري وأركون والعروي وآخرون أسهموا إسهاما مهمًا في هذا الحقل. ولكن هذا الجهد وهذا الإسهام تجاوزنا، نحن الفلسطينيون في الداخل، وبقينا نتعامل مع أمورنا من داخل منظومة معرفية ضيقة هي ضيق مواطنتنا في إسرائيل. أننا بحاجة إلى كسر هذا الطوق وإطلاق العنان للتفكير النقدي الحقيقي.

فمثلا إن سؤالا يتعلق بعلاقتنا مع أبناء شعبنا في الضفة الغربية ومشاعر مجتمعنا في الداخل تجاههم هو سؤال مهمّ جدًا (ونحن لا نسأله) ولكن السؤال الأهم هو لماذا اتخذنا هذا الموقف؟ ماذا تسرّب إلى وعينا بحكم علاقتنا مع المجتمع الإسرائيلي ليؤثر على موقفنا ومشاعرنا هذه؟ إن الجواب على هذه الاسئلة لهي في صلب تفكيرنا السياسي وتأثيرها على المواقف السياسية التي نتخذها أو بالأساس المواقف التي لا نتخذها هو تأثير كبير لا نشعر فيه. إن فهم التأثيرات العميقة على هذا الموضوع كمثال واتخاذ الإجراءات لتحييدها أو توظيفها داخل تفكيرنا وفعلنا السياسي سيفتح لنا آفاق جديدة.

مثال إضافي: الأسئلة المتعلقة بموضوع المساواة مهمة، ولكنها تركز على فكرة مقارنة وضع العربي مع اليهودي، فالانشغال هو اجرائي قانوني يعتمد على إحصائيات ومقارنات. لا شك بأن السؤال المتعلق بالفجوة بين العرب واليهود مهمّ، ولكن الأهم نقديًا هو سؤال لماذا الانشغال بالمقارنة نفسها؟ ماذا يحجب عنا؟ ماذا يفعل الانشغال بالمقارنة لدرجة الهوس بقيمة المساواة نفسها؟ كيف يؤثر هذا الانشغال بمبنى علاقات القوة بين العرب واليهود أو الدولة؟ ماذا يعني مجرد وضع اليهودي كنموذج نرغب الوصول إليه؟ ما تبعاته النفسية والهوياتية ومن المستفيد؟ إن التفكير النقدي يكشف لنا بهذه المسالة بواطن ضعف حقيقية في تفكيرنا وتصرفنا السياسي وليس أقل خطورة تسرب هذا الموضوع لتعاملنا التربوي أيضا.

إن هذا الكشف والتحييد يمكننا من التعامل بأكثر فاعلية مع قيمة المساواة كقيمة بحد ذاتها مرتبطة بالمواطنة وليس بالمواطن اليهودي وهذا فارق يتم تسميته بعملية المقارنة. من أجل تحرير وعينا من سيطرة فكرة الارتباط الدائم بالأخر اليهوديّ المتفوق، لا نستطيع أن نفكر بأنفسنا لأنفسنا بدون وجوده المعنوي بكل مسالة وموضوع. الدعوة ليست تحييد الآخر تماما فهذا المستحيل وإنما فهم ديناميكيات وجوده والسيطرة عليها.

إن المشروع النقدي يدعونا، بما يدعو إليه، هو التفكير في تفكيرنا والكشف داخل هذا التفكير عن تلك التشويهات والتحيزات التي تسربت إلى وعينا وأنماط تفكيرنا عبر العناصر الثقافية والسياسية دون وعي بعملية تاريخية فيها هيمنة كلية للآخر علينا. إن هذه التشويهات والتحيزات تتحكم اليوم بتفكيرنا وفعلنا الاجتماعي والسياسي. إن واجبنا أن نتحرر منها لكي نعيد لأنفسنا إمكانية التفكير والفعل على قاعدة سليمة وصحية ذات فاعلية.

عن فارءه معاي

Exit mobile version