تل أبيب - أعادت نتائج انتخابات الكونغرس الأميركي فتح النقاش داخل إسرائيل بشأن مستقبل العلاقات مع واشنطن، في ظل توقعات بتصاعد الضغوط التشريعية على حكومة بنيامين نتنياهو، مع استعداد الأغلبية الديمقراطية الجديدة في مجلسي الشيوخ والنواب لطرح مبادرات تستهدف السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يشمل الاستيطان والمساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة.
ورغم أن التقدم الديمقراطي في الانتخابات لم يكن مفاجئاً في الأوساط الإسرائيلية، فإن تداعياته المحتملة تثير قلقاً متزايداً لدى المسؤولين والخبراء، خصوصاً مع اقتراب انطلاق دورة الكونغرس الجديدة في كانون الثاني/يناير المقبل، وما قد تحمله من تحولات في طبيعة التعاطي الأميركي مع إسرائيل، حتى مع احتمال تدخل الرئيس دونالد ترامب لعرقلة بعض المبادرات.
ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن السياسات التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، بقيادة نتنياهو ومقربه رون ديرمر، ساهمت في إحداث قطيعة متعمدة مع الحزب الديمقراطي واليهود الأميركيين والشرائح الشابة في الولايات المتحدة.
وتعزز نتائج الانتخابات هذه المخاوف، إذ أظهرت معطيات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" أن 70% من الناخبين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، و62% من الفئة العمرية بين 30 و44 عاماً، صوتوا لمصلحة المرشحين الديمقراطيين في مختلف أنحاء البلاد، في مؤشر على اتساع الفجوة بين إسرائيل وقطاعات واسعة من الأجيال الشابة الأميركية.
ورغم هذا التراجع، يرى المسؤول الإسرائيلي أن استعادة العلاقات مع الديمقراطيين لا تزال ممكنة، داعياً الحكومة الإسرائيلية إلى بناء قنوات اتصال مباشرة مع أعضاء الحزب في مجلسي الكونغرس، وعدم التعامل مع جميع المنتقدين للسياسات الإسرائيلية باعتبارهم معادين لإسرائيل، حتى إن لم يتبنوا مواقف صهيونية.
الاستيطان وحرب غزة في صلب المبادرات الديمقراطية
ولا تقتصر التحديات التي تواجه العلاقات الأميركية الإسرائيلية على تراجع التأييد الشعبي، إذ تتجه الأنظار إلى مجموعة من المبادرات التشريعية المطروحة في الكونغرس، والتي تستهدف بصورة مباشرة السياسات الإسرائيلية على الأرض، وفي مقدمتها تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، واستمرار الحرب على قطاع غزة، وتدهور الأوضاع الإنسانية فيه.
وتتضمن المقترحات المطروحة إعادة النظر في المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل ومبيعات الأسلحة، إلى جانب إعادة تفعيل العقوبات على المستوطنين المتورطين في أعمال العنف بالضفة الغربية، وهي العقوبات التي أقرتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن قبل أن تلغيها إدارة ترامب.
كما تشمل المبادرات مقترحات لحظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية إلى الولايات المتحدة، على غرار خطوات اتخذتها بريطانيا وفرنسا وكندا، فضلاً عن تحركات تستهدف البناء الاستيطاني في منطقة E1 الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم.
وفي هذا السياق، يبرز مقترح للسيناتور الديمقراطي كريس كونز يقضي بفرض عقوبات على الجهات والأشخاص المشاركين في تشجيع البناء الاستيطاني في المنطقة، في خطوة تعكس اتجاهاً داخل الحزب نحو استخدام الأدوات التشريعية والاقتصادية للضغط على الحكومة الإسرائيلية.
ومن بين هذه المبادرات، تبدو إعادة فرض العقوبات على المستوطنين المتورطين في العنف من المقترحات الأكثر قابلية للتقدم، ولا سيما في مجلس النواب، حيث سبق أن دعا حكيم جيفريز، المتوقع أن يتولى رئاسة المجلس في كانون الثاني/يناير المقبل، إلى إقرار تشريع لمواجهة ما وصفه بعنف المستوطنين الخارج عن السيطرة في الضفة الغربية.
لكن رئيس قسم الولايات المتحدة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أفيشاي بن ساسون-غوردس، قلل من فرص إقرار المشروع، مشيراً إلى أن تمريره في مجلس الشيوخ يحتاج إلى تأييد 60 عضواً، وهو عدد لا يملكه الديمقراطيون بمفردهم في المجلس المقبل.
وأضاف أن أي مشروع ينجح في تجاوز العقبات التشريعية قد يواجه أيضاً احتمال استخدام ترامب حق النقض، مستبعداً سماح الرئيس الأميركي بفرض عقوبات على حلفائه، وفي مقدمتهم إسرائيل، خصوصاً في ظل حرصه على الاحتفاظ بدعم قاعدته الانتخابية الإنجيلية.
تراجع التأييد لإسرائيل يتجاوز الأوساط الديمقراطية
وعلى الرغم من القيود التي قد تعترض المبادرات داخل الكونغرس، يتوقع دبلوماسيون وخبراء أن تشهد المرحلة المقبلة توسعاً في التحركات الأميركية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، خاصة إذا استمر الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة من دون تغييرات ملموسة.
ويرى مصدر مطلع على المبادرات التشريعية أن استمرار الحكومة الإسرائيلية في نهجها الحالي سيشجع أعضاء الكونغرس على تقديم مزيد من مشاريع القوانين، محذراً من أن وصول رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2029 قد ينقل بعض هذه المقترحات من المسار التشريعي إلى حيز الإجراءات التنفيذية.
ويتفق السفير الأميركي السابق لدى السعودية وإسرائيل، مايكل راتني، مع هذا التقدير، معتبراً أن فرض عقوبات أميركية أوسع على المستوطنات واتخاذ إجراءات إضافية ضد إسرائيل قد يصبحان احتمالاً واقعياً في حال وصول رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض.
وقال راتني إن نتنياهو وترامب يتعاملان مع الحديث عن وقف المساعدات الأمنية الأميركية لإسرائيل أو تقليصها تدريجياً باعتباره تحولاً جذرياً في العلاقات بين البلدين، لكنهما لا يقدّران، وفق رأيه، حجم التغير الذي تشهده المواقف الأميركية تجاه إسرائيل.
وأوضح أن الانتقادات لم تعد محصورة داخل الحزب الديمقراطي، بل امتدت إلى شرائح اجتماعية وسياسية مختلفة، تشمل الأجيال الشابة ومؤيدي شعار "أميركا أولاً"، إلى جانب قطاعات من الناخبين اليمينيين.
وأشار إلى أن الشباب المؤيدين للديمقراطيين يقودون جانباً أساسياً من هذا التحول، لكن مؤشرات تراجع التأييد لإسرائيل تظهر أيضاً في أوساط أخرى، ما يجعل القضية أوسع من مجرد خلاف حزبي أو تباين بين الإدارات الأميركية.
واستشهد راتني برد نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس على نتائج الانتخابات، حين ربط جانباً من خسائر الجمهوريين بالحرب مع إيران والعلاقة مع إسرائيل، معتبراً ذلك مؤشراً إضافياً على حضور الملف الإسرائيلي في النقاشات السياسية الداخلية الأميركية.
المساعدات العسكرية أمام اختبار الكونغرس
ويُعد مستقبل المساعدات الأمنية والعسكرية الأميركية أحد أبرز الملفات المرشحة للتصعيد خلال المرحلة المقبلة، إذ تستند هذه المساعدات إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وتل أبيب، لكنها تظل خاضعة للصلاحيات التشريعية والرقابية للكونغرس.
وتشير التقديرات إلى أن الديمقراطيين قد يدفعون باتجاه مراجعة آليات تقديم الدعم العسكري، أو فرض شروط وقيود إضافية على استخدامه، في ظل تزايد الاعتراضات داخل الحزب على العمليات العسكرية الإسرائيلية والسياسات المتبعة في الأراضي الفلسطينية.
كما قد تسهم تصريحات ترامب بشأن إنهاء المساعدات الأميركية لإسرائيل اعتباراً من العام المقبل، حتى وإن صدرت في سياق غير واضح، في إعادة فتح النقاش بشأن حجم الدعم الأميركي وطبيعته، وتوفير أرضية إضافية للمطالبين بمراجعته.
ويمتلك الكونغرس صلاحيات قانونية تتيح له التأثير في تحويل المساعدات المالية والعسكرية، رغم الاتفاقات المنظمة للتعاون بين البلدين. إلا أن أي توجه لتقليص الدعم لن تكون تداعياته محصورة بإسرائيل، بل قد تمتد إلى شركات الصناعات الدفاعية الأميركية المستفيدة من صفقات التسليح والتعاون العسكري مع تل أبيب.
ومع ذلك، لا يرى مراقبون أن المصالح الاقتصادية وحدها ستكون كافية لمنع المشرعين الديمقراطيين من طرح قيود جديدة، خصوصاً في ظل اتساع الاعتراضات داخل الحزب على السياسات الإسرائيلية، وتحول المساعدات العسكرية إلى موضوع نقاش سياسي متزايد في الولايات المتحدة.
أي حكومة إسرائيلية مقبلة أمام اختبار ترميم العلاقات
وتضع هذه التطورات مستقبل العلاقات بين إسرائيل والحزب الديمقراطي أمام اختبار صعب، لا يقتصر على المرحلة الحالية أو حكومة نتنياهو، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة التي ستربط واشنطن بأي حكومة إسرائيلية مقبلة.
ويرى راتني أن تشكيل حكومة إسرائيلية لا يقودها نتنياهو قد يفتح المجال أمام فترة تهدئة مؤقتة مع الإدارة الأميركية والأوساط السياسية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية الحالية، إلا أن هذه الفترة لن تكون كافية وحدها لمعالجة الخلافات المتراكمة.
وبحسب تقديره، سيترقب الناخبون الأميركيون المهتمون بالقضية الفلسطينية خطوات فعلية تتعلق بمستقبل إقامة الدولة الفلسطينية، والسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وترتيبات المرحلة المقبلة في قطاع غزة.
ويعني ذلك أن تغيير القيادة السياسية في إسرائيل قد يوفر فرصة لإعادة بناء قنوات التواصل مع واشنطن، لكنه لن يضمن استعادة العلاقات إلى سابق عهدها ما لم يترافق مع تحولات ملموسة في السياسات تجاه الفلسطينيين.
وبين الضغوط التشريعية المحتملة، وتراجع التأييد الشعبي، والخلافات بشأن المساعدات العسكرية والاستيطان والحرب على غزة، تبدو العلاقات الأميركية الإسرائيلية مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، فيما ستتوقف فرص احتواء التوتر على مدى استعداد الحكومة الإسرائيلية الحالية أو المقبلة للاستجابة للمطالب الأميركية المتزايدة بإحداث تغيير في سياستها تجاه الأراضي الفلسطينية.






