بكين - حثت وزارة التجارة الصينية الولايات المتحدة، السبت، على وقف توسيع القيود المفروضة على الاستثمارات الأميركية في الصين، محذرة من أن المقترحات الجديدة المتعلقة بالتقنيات الحساسة قد تؤثر سلباً في العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.
وجاء الموقف الصيني عقب إعلان وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، مقترحات لتحديث برنامج الرقابة على الاستثمارات الأميركية في الخارج، بما يشمل توسيع نطاق القيود المرتبطة بقطاعات تكنولوجية تعتبرها واشنطن ذات أهمية استراتيجية وأمنية.
وقالت وزارة التجارة الصينية، في بيان، إن المقترح الأميركي وسّع «بشكل تمييزي» القيود الاستثمارية المرتبطة بالصين، مؤكدة معارضتها الشديدة لهذه الخطوة، واحتفاظ بكين بحق اتخاذ إجراءات مضادة، من دون تحديد طبيعتها أو توقيت تنفيذها.
وأضافت الوزارة أن الإجراءات المقترحة من شأنها الإضرار بالعلاقات الاقتصادية الثنائية، معتبرة أنها تتعارض مع التفاهمات التي توصل إليها رئيسا البلدين خلال لقاءاتهما في الأشهر الستة الماضية.
ويعكس التصعيد الأخير استمرار الخلاف بين واشنطن وبكين بشأن العلاقة بين الأمن القومي والتجارة الدولية، ولا سيما في القطاعات التي تجمع بين الاستخدامات المدنية والتطبيقات العسكرية.
التكنولوجيا الحيوية والحوسبة عالية الأداء ضمن القيود الجديدة
تتضمن المقترحات الأميركية تحديثاً لبرنامج الرقابة على الاستثمارات الخارجية، مع إضافة التكنولوجيا الحيوية إلى القطاعات المشمولة بالقيود، إلى جانب توسيع نطاق الإجراءات ليشمل مجالات الحوسبة عالية الأداء والأنظمة فائقة السرعة.
وتأتي هذه التعديلات استكمالاً لقيود سبق أن فرضتها الولايات المتحدة على بعض الاستثمارات الأميركية المرتبطة بالصين في قطاعات أشباه الموصلات وتقنيات الكم والذكاء الاصطناعي.
وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن هذه الإجراءات، التي لا تقتصر على الصين وحدها، تستهدف منع رأس المال الأميركي من دعم تطوير تقنيات استراتيجية لدى دول تصنفها واشنطن منافسة أو معادية، خصوصاً التقنيات مزدوجة الاستخدام التي يمكن توظيفها في التطبيقات المدنية والعسكرية على حد سواء.
وتشمل هذه الفئة من التقنيات مجالات قد تسهم في تطوير قدرات الحوسبة المتقدمة والأنظمة الرقمية والتطبيقات العلمية، وهي قطاعات تتزايد أهميتها في المنافسة الاقتصادية والعسكرية بين القوى الكبرى.
وتستند واشنطن في تبرير القيود إلى مخاوف من أن تسهم الاستثمارات الأميركية في دعم قدرات تكنولوجية قد تهدد أمنها القومي، في حين ترى بكين أن توسيع نطاق الرقابة الاستثمارية يفرض قيوداً غير مبررة على أنشطة الشركات ويزيد التوتر في العلاقات الاقتصادية.
خلاف يتجاوز التجارة إلى المنافسة التكنولوجية
لا يقتصر الخلاف بين البلدين على حجم الاستثمارات أو شروط دخول الأسواق، بل يمتد إلى مستقبل المنافسة في القطاعات التكنولوجية المتقدمة، التي أصبحت محوراً رئيسياً في السياسات الاقتصادية والأمنية لدى الطرفين.
وتسعى الولايات المتحدة إلى الحد من وصول رؤوس الأموال والخبرات المرتبطة بها إلى أنشطة تعتبرها حساسة من الناحية الاستراتيجية، بينما تعارض الصين الإجراءات التي ترى أنها تستهدف شركاتها وتحد من فرص حصولها على التمويل والتعاون الدولي.
وقد تؤدي زيادة القيود إلى تعقيد قرارات الشركات الأميركية بشأن استثماراتها في الصين، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب تمويلاً طويل الأجل وتعاوناً بحثياً وتكنولوجياً عابراً للحدود.
كما يمكن أن تزيد حالة عدم اليقين التنظيمي من صعوبة تخطيط الشركات متعددة الجنسيات، في ظل الحاجة إلى التحقق من طبيعة الأنشطة المستهدفة والجهات التي تنطبق عليها القواعد الجديدة.
لكن حجم التأثير الفعلي سيعتمد على الصيغة النهائية للمقترحات الأميركية، والقطاعات والأنشطة التي ستشملها، وكيفية تطبيقها على الاستثمارات القائمة والمستقبلية.
بكين تلوّح بإجراءات مضادة من دون تفاصيل
أكدت وزارة التجارة الصينية أن بكين تحتفظ بحق اتخاذ إجراءات مضادة رداً على المقترحات الأميركية، لكنها لم تحدد ما إذا كانت هذه الإجراءات ستتخذ شكل قيود استثمارية أو تجارية، أم ستشمل تدابير أخرى.
ويترك غياب التفاصيل الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى إدارة خلافاتهما الاقتصادية من دون الإضرار بمصالح الشركات والأسواق المرتبطة بهما.
وتكتسب التحذيرات الصينية أهمية خاصة في ظل اتساع نطاق القيود الأميركية على قطاعات تكنولوجية متعددة خلال السنوات الماضية، ما جعل ضوابط الاستثمار جزءاً من أدوات واشنطن للحد من المخاطر المرتبطة بنقل التكنولوجيا والتمويل إلى منافسين استراتيجيين.
وفي المقابل، تحذر بكين من أن استخدام الاعتبارات الأمنية لتوسيع القيود الاقتصادية قد يؤدي إلى تراجع الثقة بين الجانبين، ويزيد صعوبة التوصل إلى تفاهمات مستقرة بشأن التجارة والاستثمار.
مستقبل العلاقات الاقتصادية مرهون بمسار المقترحات
تأتي التطورات الأخيرة في وقت لا تزال فيه العلاقات الأميركية الصينية تواجه تحديات متصلة بالتكنولوجيا والتجارة والأمن الاقتصادي، رغم اللقاءات التي عقدها رئيسا البلدين خلال الأشهر الستة الماضية.
وتضع المقترحات الجديدة الشركات والمستثمرين أمام ضرورة متابعة القواعد الأميركية المرتقبة، وتقييم مدى تأثيرها في خطط التمويل والتوسع في القطاعات الحساسة.
وفي الوقت نفسه، سيكون رد بكين المحتمل عاملاً مهماً في تحديد مسار التصعيد، خصوصاً إذا قررت السلطات الصينية اتخاذ تدابير تؤثر في الاستثمارات أو التعاملات التجارية بين البلدين.
ومع استمرار الخلاف بشأن حدود الرقابة الاستثمارية، تبقى الخطوة التالية مرتبطة بما ستقرره واشنطن بشأن الصيغة النهائية للمقترحات، وبمدى استعداد الطرفين لاحتواء التوتر وتجنب توسيعه إلى مجالات اقتصادية إضافية







