طلال عوكل - مصدر الإخبارية
ثلاث سنوات مرت على طوفان الأقصى، الذي وضع إسرائيل والمنطقة والعالم أمام حقائق الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، وحقيقة كل طرف من الأطراف الفاعلة في هذا الصراع.
عقود طويلة من الصراع، قدّم خلالها الشعب الفلسطيني مئات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، وانتقلت قياداته في أهدافها من تحقيق المصير وإقامة الدولة الفلسطينية على كل فلسطين التاريخية إلى الاكتفاء بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وكان ذلك التنازل الأول والأكثر ضخامة. وكان ذلك التنازل شكلًا من أشكال مسايرة المجتمع الدولي، حتى في زمن النظام العالمي ثنائي القطبية، ووفق قراءة اعتبرها أصحاب القرار الفلسطيني واقعية، بأمل تحقيق ما يمكن تحقيقه. اشتعلت الثورة الفلسطينية عام 1967، وقام مقاتلوها بعمليات عسكرية عبر الحدود، ثم تعرضوا لانتكاسة استراتيجية عام 1982. والشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة أشعل ثورة الأرض، ثم الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1987، التي امتدت إلى نحو أربع سنوات، وانتهت بتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، التي انطوت على تنازلات أخرى أعلن عنها الرئيس الراحل ياسر عرفات في بداية الأمر خلال مؤتمر صحفي في جنيف.
لم يتخلَّ الفلسطينيون عن الالتزام باتفاقية أوسلو، على الرغم من اغتيال إسحاق رابين نهاية عام 1995، لكنهم تعرضوا لانتكاسة أخرى حين فاز نتنياهو بالانتخابات عام 1996، ومن هناك بدأ رحلته للقضاء على اتفاقية أوسلو. مر عام 1999 من دون أي مؤشرات على إمكانية إعلان الدولة الفلسطينية استنادًا إلى الأجندة الزمنية لأوسلو، فاندلعت انتفاضة الأقصى عام 2000، وحوصر عرفات ورفاقه في مقر المقاطعة في رام الله، وتم اغتياله عام 2004.
خلال هذه السنوات، تضاعف الاستيطان أضعافًا مضاعفة حتى ناهز 750 ألف مستوطن، وتوسعت المستوطنات، وأخذت تحاصر المدن والقرى الفلسطينية، وتمت مصادرة مئات الآلاف من الدونمات. ولم تُخفِ الحكومات الإسرائيلية هدف القضاء على أوسلو، وكل ما نجم عنه من تعبيرات، وكان نتنياهو صاحب الصوت الأعلى والفعل الأكبر.
بعد الانقسام الفلسطيني، حوصرت غزة، وبدا واضحًا أن الإسرائيلي يحاول مؤقتًا أن يكرّس نظامًا في غزة، كخطوة نحو القضاء على فكرة إقامة دولة فلسطينية، والانتقال بالمخطط نحو أهداف أخرى. ومنذ أن وقع الانقسام الفلسطيني، تعاملت إسرائيل مع قطاع غزة كمنطقة معادية، وشنّت عليه سلسلة من الحروب، ابتداءً من عام 2006، حين تم اختطاف شاليط، ثم في أعوام 2008 و2012 و2014 و2019 و2021. وينقص هذا الاستعراض أن الفلسطينيين جرّبوا كل الوسائل الممكنة لتحقيق هدف الدولة، وقدموا تنازلات تاريخية، وقدموا شهداء وجرحى وأسرى، وأسلموا أمرهم للمراهنة على السلام، وتعرضوا لكل أشكال الإرهاب والقتل والاستيطان، كما تعرضت السلطة الوطنية لضغوط شديدة، وصودرت أموالها، وقُطعت عنها المساعدات، ودخلت في أزمة عميقة، لكن كل ذلك لم يثنِ إسرائيل عن عزمها على تحقيق أهدافها.
كان نتنياهو قد أعلن من على منبر الأمم المتحدة، قبل الطوفان، أن هدف إسرائيل هو إقامة إسرائيل الكبرى، وكان ذلك الهدف يستدعي طرد كل الفلسطينيين من أرضهم، باعتبار أن السيطرة على الأرض تشكل البداية والمنطلق لتحقيق هدف إسرائيل الكبرى.
هل ثمة من يقدم جوابًا مقنعًا عن سؤال: ماذا كان على الفلسطينيين أن يفعلوا أكثر، بعد كل ما فعلوه، حتى أصبحت القضية الفلسطينية في عالم النسيان؟ وهل كان بإمكان الفلسطينيين أو غيرهم أن يراهنوا على إمكانية تحقيق سلام بحده الأدنى مع حكومات إسرائيلية تدّعي عدم وجود شريك فلسطيني، وتعلن جهارًا نهارًا رفضها المطلق ومقاومتها لإقامة أي كيان فلسطيني في الضفة وغزة، حتى لو كان ذلك الكيان مماثلًا لجماعة لحد في جنوب لبنان؟
هذا يعني أن الطوفان كان ضرورة، على الرغم من التضحيات الضخمة والهائلة التي قدمها ويقدمها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس.
لست ممن يعتقدون بأن المقاومة، التي أقدمت على ما قامت به في السابع من أكتوبر عام 2023، قد ساورها حلم تحرير فلسطين عبر تلك الواقعة، لكن صاحب القرار لم يكن يتوقع ردود الفعل الإسرائيلية على النحو الذي وقع.
ولكن، انظروا الآن، وقد ظهرت إسرائيل على حقيقتها كمشروع استعماري بشع، تقوده دولة عنصرية إرهابية ترتكب مجازر إبادة وتجويع وحصار وقتل لكل أسباب الحياة، وقد أسقط الطوفان هذه السردية إلى الأبد.
الشركاء لإسرائيل والداعمون لها والمتخاذلون، كلٌّ ظهر على حقيقته، لكن إسرائيل أصبحت دولة منبوذة عالميًا، وتتآكل من الداخل، فيما يكثر الحديث من داخلها عن خطر البقاء، بينما اخترقت القضية الفلسطينية شعوب الأرض. لقد أصبح العلم الفلسطيني والكوفية أبرز وأشهر الترندات العالمية، فيما تشهد المجتمعات الغربية، بما في ذلك أميركا، صحوة تاريخية إزاء حقائق الصراع، من دون تزوير أو مكياج. أما المنطقة، فهي على مفترق طرق تاريخي إزاء مصالحها وأمنها وسيادتها الوطنية وتحالفاتها.







