د. سامر موسى - مصدر الإخبارية
قد يشكل ما يسمي ب(التوافق الوطني) أو (التوافق الفصائلي) المخرج الأكثر تداولا حاليا لتبرير تأجيل إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة وقد يصل لحدود إلغائها، إذ تمنح صيغة (التوافق الوطني المزعوم) قرار التأجيل إطار جماعي بدل أن يظهر كقرار صادر عن طرف واحد كما كان في المرة الاخيرة.
الحقيقة تقتضي الاعتراف أنه لا يمكن قراءة خيار التأجيل بمعزل عن معادلة النتائج الانتخابيه المتوقعة، وكذلك التحديات الاستثنائية الراهنة بفعل الدمار الواسع في قطاع غزة، وصعوبة تنظيم العملية الانتخابية في ظل الأوضاع الميدانية المعقدة، واستمرار الإشكاليات المرتبطة بالقدس، إلى جانب حالة الانقسام السياسي والمؤسسي الممتدة، وهي عوامل تجعل توفير شروط انتخابات شاملة ونزيهة مهمة صعبة ولكنها حتما ليست مستحيلة، لكن التعامل مع هذه التحديات يجب أن يبقى ضمن إطار استثنائي ومحدد، لأن الانتخابات ليست مجرد إجراء تنظيمي يمكن تأجيله بلا سقف، بل هي الأساس الذي تستمد منه المؤسسات شرعيتها، والوسيلة التي يعبر من خلالها الشعب عن خياره السياسي، ومن هنا فإن أي تأجيل يفقد مبرره إذا تحول من استجابة مؤقتة لظروف قاهرة إلى صيغة دائمة لإدارة الواقع السياسي.
يحمل مفهوم (التوافق الوطني) في الحالة الفلسطينية أهمية خاصة، فهو من جهة يمثل حاجة حقيقية لإنهاء الانقسام وتعزيز الشراكة الوطنية، لكنه من جهة أخرى قد يفقد معناه إذا تحول إلى آلية لإبقاء الاستحقاقات الديمقراطية معلقة، فالتوافق الذي يخدم المصلحة الوطنية هو الذي يفتح الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي وتجديد مؤسساته، لا الذي يكتفي بتوزيع مسؤولية التأجيل بين مختلف الأطراف.
وتكمن أهمية المرحلة المقبلة في أن يتحول أي توافق محتمل من مجرد تفاهم سياسي حول تأجيل الانتخابات إلى اتفاق وطني متكامل يحدد المسار اللاحق بوضوح، من خلال وضع جدول زمني ملزم، ومعالجة العقبات القانونية والإدارية والميدانية، وتوفير ضمانات تكفل مشاركة جميع المواطنين وتحفظ نزاهة العملية الانتخابية.
إن استمرار تأجيل الانتخابات دون أفق واضح لا يؤثر فقط على شكل المؤسسات السياسية، بل ينعكس على مستوى الثقة بين المواطن والنظام السياسي، ويعزز الشعور بأن القرار الوطني أصبح محكوم بتوازنات القوى السياسية وحرصها على مصالحها الحزبية الضيقة أكثر من ارتباطه بالإرادة الشعبية، كما أن غياب التجديد الديمقراطي يحد من قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات الوطنية الكبرى، ويضعف قدرتها على استعادة ثقة المجتمع الفلسطيني.
لذلك فإن المطلوب ليس إجراء الانتخابات بمعزل عن الواقع، كما أنه ليس قبول التأجيل دون ضوابط، وإنما بناء معادلة وطنية تحقق التوازن بين ضرورات المرحلة ومتطلبات الشرعية، فالظروف الاستثنائية قد تفرض
خيارات استثنائية، لكنها لا ينبغي أن تلغي القاعدة الأساسية بأن الشعب هو مصدر الشرعية وصاحب الحق في اختيار ممثليه.
إن نجاح أي توافق وطني سيقاس بقدرته على الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها، ومن تأجيل الاستحقاق إلى توفير شروط إنجازه، فالقوى السياسية مطالبة بأن تجعل من التوافق أداة لإعادة بناء الثقة وتوحيد المؤسسات وفتح الطريق أمام انتخابات حقيقية، لا وسيلة لتجميد الحياة السياسية.
في المحصلة، قد يكون التوافق الوطني مخرج في مرحلة معقدة، لكنه لا يمكن أن يكون بديل عن الانتخابات أو بديلًا عن إرادة الشعب، فالتوافق الذي يحمي الشرعية هو الذي يعيد القرار إلى المواطنين، ويضمن أن تبقى المؤسسات نابعة من اختيارهم، لا من تفاهمات القوى السياسية وحدها، فالشرعية لا تمنح بالتوافق فقط، وإنما تجدد عندما يعود الشعب إلى موقعه الطبيعي باعتباره المرجعية الأولى والأخيرة.







