بوينس آيرس – 7 أكتوبر 2026 - أسدل النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الستار على مسيرته الدولية مع منتخب بلاده بطريقة تليق بمكانته التاريخية، بعدما سجل هدفاً وصنع هدفين في فوز الأرجنتين على بنين بثلاثة أهداف دون رد، في المباراة الودية التي أقيمت مساء الثلاثاء على ملعب «مونومنتال» بالعاصمة بوينس آيرس، وسط حضور جماهيري تجاوز 85 ألف متفرج.
ولم تكن المباراة مجرد مواجهة ودية في أجندة المنتخب الأرجنتيني، بل تحولت إلى ليلة احتفالية ضخمة لتكريم قائد المنتخب وأحد أبرز نجوم كرة القدم في تاريخ اللعبة، بعدما خاض ميسي مباراته الدولية رقم 208، منهياً رحلة استمرت 21 عاماً بقميص «ألبيسيليستي».
وخلال مسيرته مع المنتخب، أصبح ميسي اللاعب الأكثر مشاركة في تاريخ الأرجنتين والهداف التاريخي للمنتخب برصيد 126 هدفاً، كما قاد بلاده إلى التتويج بكأس العالم 2022، إضافة إلى لقبَي كوبا أميركا عامي 2021 و2024، إلى جانب التتويج ببطولة «فيناليسيما» عام 2022.

ليلة بدأت بالدموع وانتهت بالتصفيق
منذ وصول بعثة المنتخب إلى ملعب «مونومنتال»، بدت الأجواء مختلفة عن أي مباراة أخرى، بعدما احتشدت الجماهير لتوديع قائدها التاريخي. وازدانت المدرجات بألوان الأرجنتين، بينما رفعت الجماهير القمصان التي تحمل الرقم 10، ورددت هتافات «ميسي.. ميسي» في مشهد عكس حجم العلاقة التي نشأت بين اللاعب والجمهور على مدار أكثر من عقدين.
وتوقفت المباراة في الدقيقة العاشرة، في إشارة إلى الرقم الذي ارتبط باسم ميسي، لتمنح الجماهير واللاعبين والجهاز الفني فرصة تكريمه. ووقف الجميع لتحية القائد الأرجنتيني، فيما رد ميسي على التصفيق بتحية الجماهير والتلويح بيده.
وكانت لحظات أكثر تأثيراً قد سبقت انطلاق المباراة، عندما وقف ميسي إلى جانب أبنائه خلال عزف النشيد الوطني الأرجنتيني، في مشهد غلبت خلاله عليه المشاعر.

أوتاميندي وباز يشاركان ميسي ليلة الوداع
بعد شوط أول انتهى بالتعادل السلبي، بدأت الأرجنتين في صناعة النهاية التي أرادها ميسي وجماهيرها.
وجاء الهدف الأول في الدقيقة 48، عندما نفذ ميسي ركلة ركنية وصلت إلى المدافع نيكولاس أوتاميندي، الذي ارتقى للكرة وحولها برأسه إلى داخل الشباك.
ولم يكن الهدف مجرد افتتاح التسجيل، إذ كان أوتاميندي يخوض بدوره مباراته الأخيرة مع المنتخب الأرجنتيني، ليصبح وداع اللاعبَين المخضرمين جزءاً من ليلة واحدة في «مونومنتال». وأكد الاتحاد الأرجنتيني أن ميسي اختتم ظهوره الأخير على أرض بلاده بالفوز والهدف والتكريم الجماهيري.
وفي الدقيقة 61، عاد ميسي ليصنع الهدف الثاني، بعدما مرر الكرة إلى نيكو باز، الذي تعامل معها بصورة رائعة قبل أن يسددها بقدمه اليسرى في شباك بنين.
وبعد عشر دقائق فقط، جاءت اللحظة التي انتظرها أكثر من 85 ألف مشجع.
حصل المنتخب الأرجنتيني على ركلة جزاء، فتقدم ميسي لتنفيذها، وسدد الكرة بقدمه اليسرى في الزاوية العليا للمرمى، مسجلاً هدفه الدولي رقم 126، ليكون آخر أهدافه بقميص المنتخب الأرجنتيني.
وانفجرت مدرجات «مونومنتال» بالهتاف باسم قائدها، فيما احتفل ميسي بالهدف وسط زملائه، في لقطة اختصرت نهاية مسيرة دولية امتدت لأكثر من عقدين.

ميسي: اللعب للأرجنتين كان شرفاً عظيماً
وبعد نهاية المباراة، أمسك ميسي بالميكروفون وتحدث إلى الجماهير التي جاءت لتوديعه، وسط أجواء عاطفية غلبت عليها الدموع.
وقال ميسي إن ارتداء قميص المنتخب الأرجنتيني لأكثر من 20 عاماً كان «مصدر فخر كبير»، مؤكداً أنه لم يتوقف عن القتال من أجل المنتخب حتى خلال أصعب الفترات التي مر بها.
وأضاف أن عدم العودة إلى الملعب بقميص الأرجنتين سيكون مؤلماً، مشيراً إلى أنه كان يتمنى الاستمرار في اللعب للمنتخب طوال حياته، لأن تمثيل بلاده كان من أجمل الأشياء التي عاشها في مسيرته.
واستعاد ميسي خلال حديثه ذكريات سنواته مع المنتخب، كما أشار إلى والده الراحل، الذي قال إن التفكير فيه كان من أول الأشياء التي حضرت إلى ذهنه خلال تلك اللحظة العاطفية.

سكالوني: لن يكون هناك شيء مماثل
ولم يتمكن المدير الفني للمنتخب الأرجنتيني، ليونيل سكالوني، من إخفاء مشاعره خلال حديثه عن نهاية رحلة ميسي مع الفريق.
وقال سكالوني إنه لم يكن يتخيل في يوم من الأيام أن يصبح مدرباً لما وصفه بـ«أفضل لاعب كرة قدم في التاريخ»، معرباً عن امتنانه لميسي على السنوات التي قضاها إلى جانب المنتخب.
وأكد المدرب الأرجنتيني أن رحيل ميسي سيترك فراغاً كبيراً، مشيراً إلى أن الإحساس بوجوده داخل الملعب إلى جانب الفريق لا يمكن تعويضه بسهولة.
وقال سكالوني إن المنتخب سيواصل العمل مع جيل جديد من اللاعبين، لكنه شدد على أن «الهالة» التي أحاطت بميسي لم يرَ مثلها لدى أي لاعب آخر طوال حياته.

من الانتقادات إلى المجد
اختتم ميسي مسيرة دولية لم تكن دائماً سهلة، إذ واجه في سنواته الأولى انتقادات واسعة بسبب عدم نجاحه في تحقيق الألقاب الكبرى مع المنتخب، رغم تألقه اللافت مع برشلونة.
وتعرض اللاعب لانتقادات بعد خسارة نهائي كأس العالم 2014 أمام ألمانيا، كما خسر نهائي كوبا أميركا عامي 2015 و2016، قبل أن يعلن اعتزاله الدولي لفترة قصيرة عقب خسارة نهائي 2016.
لكن عودته إلى المنتخب فتحت صفحة جديدة، بدأت بالتتويج بكوبا أميركا 2021، ثم «فيناليسيما» أمام إيطاليا في 2022، وصولاً إلى كأس العالم في قطر، حيث قاد الأرجنتين إلى اللقب العالمي بعد غياب دام 36 عاماً.
كما توج مع الأرجنتين بكوبا أميركا 2024، قبل أن يخوض نهائيات كأس العالم 2026، التي وصل خلالها المنتخب إلى المباراة النهائية أمام إسبانيا.

21 عاماً.. أرقام تخلد المسيرة
أنهى ميسي مسيرته الدولية بعد 21 عاماً من ظهوره الأول مع الأرجنتين، محققاً مجموعة من الأرقام القياسية التي جعلته أحد أبرز اللاعبين في تاريخ المنتخب.
وخاض ميسي 208 مباريات دولية بقميص الأرجنتين، وسجل 126 هدفاً، ليحتل المركز الأول في تاريخ المنتخب على مستوى المشاركات والأهداف. كما أصبح من أكثر لاعبي كرة القدم تأثيراً في تاريخ المنتخب من حيث صناعة الأهداف.
ومع نهاية المباراة أمام بنين، لم تعد الجماهير الأرجنتينية تنتظر هدفاً جديداً أو تمريرة حاسمة أخرى من صاحب القميص رقم 10، بل جاءت لتقول له كلمة واحدة: «Gracias».. شكراً.
وبعد صافرة النهاية، تجمع لاعبو الأرجنتين ومنافسوهم وأعضاء الجهاز الفني حول ميسي، بينما امتلأت سماء الملعب بالألعاب النارية وعروض الطائرات المسيّرة، في مشهد احتفالي اختتم واحدة من أكثر الرحلات الدولية تأثيراً في تاريخ كرة القدم.
وغادر ميسي ملعب «مونومنتال» للمرة الأخيرة لاعباً للمنتخب، بعدما حقق الحلم الذي طارده لسنوات: أن يرفع كأس العالم بقميص الأرجنتين، قبل أن يضيف إليه لقبَي كوبا أميركا ويغلق فصلاً امتد 21 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً من الأرقام والألقاب والذكريات.







