تل أبيب - بعد ثلاث سنوات من هجوم 7 أكتوبر، يدخل رئيس حزب «ياشار» غادي أيزنكوت السباق الانتخابي الإسرائيلي حاملاً تجربة عسكرية وسياسية وشخصية مرتبطة مباشرة بالحرب، بعدما قُتل نجله غال في معارك شمال قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023، بينما كان أيزنكوت عضوًا في مجلس الحرب الإسرائيلي.
وفي مقابلة مطولة مع صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، قدم أيزنكوت تصورًا واسعًا لما قال إنه يجب أن تكون عليه إسرائيل بعد الحرب، مع تركيز خاص على مستقبل قطاع غزة والضفة الغربية والعلاقة مع الفلسطينيين. وتقوم رؤيته، وفق ما عرضه في المقابلة، على نزع سلاح حركة حماس كشرط أساسي لأي ترتيبات جديدة في غزة، وإعادة الحكم المدني، والسماح للسلطة الفلسطينية بإدارة شؤون الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلى جانب مكافحة عنف المستوطنين، مع الإبقاء على تفوق وسيطرة أمنية إسرائيلية في أي ترتيبات مستقبلية.
غزة أولًا.. نزع سلاح حماس شرط لأي مرحلة جديدة
في الملف الأكثر ارتباطًا بمستقبل الفلسطينيين، قال أيزنكوت إن التعامل مع غزة لا يمكن أن يكون منفصلًا عن بقية ملفات الشرق الأوسط، معتبرًا أن إسرائيل أمام فرصة لبناء مبادرة إقليمية واسعة بالتعاون مع الولايات المتحدة.
وقال إن أي حكومة إسرائيلية جديدة ستكون ملزمة، من وجهة نظره، بالاتفاقات التي أبرمتها الحكومة الحالية مع الإدارة الأمريكية، لكنه شدد على أنه سيعمل على تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما بعد الحرب في غزة «من موقع قوة».
ووضع أيزنكوت شرطًا أساسيًا لذلك، يتمثل في نزع سلاح حماس بالكامل، معتبرًا أن نزع السلاح يجب أن يسبق إعادة بناء منظومة الحكم المدني وبدء إعادة إعمار القطاع.
وبحسب التصور الذي عرضه، فإن المرحلة التالية لنزع السلاح تتمثل في استعادة الحكم المدني في غزة، وإدخال قوة استقرار متعددة الجنسيات تضم نحو 20 ألف عنصر مدرب في مصر، ثم إطلاق عملية إعادة الإعمار.
وبذلك، يطرح أيزنكوت تسلسلًا واضحًا، وفق رؤيته: نزع سلاح حماس أولًا، ثم ترتيبات أمنية واستقرار، ثم استعادة الحكم المدني وإعادة الإعمار.
ولا يقدم أيزنكوت في المقابلة تصورًا لإعادة احتلال إسرائيل قطاع غزة أو لإبقاء الجيش الإسرائيلي مسؤولًا عن إدارة السكان المدنيين، بل يتحدث عن انتقال القطاع إلى ترتيبات حكم مدني بعد استيفاء الشروط الأمنية التي يضعها، وفي مقدمتها إنهاء القدرات العسكرية لحماس.
وكان أيزنكوت قد تبنى في تصريحات سابقة موقفًا متحفظًا تجاه فكرة إعادة احتلال غزة، كما شكك في إمكانية الحديث عن «هزيمة مطلقة» لحماس من دون تصور واضح لليوم التالي للحرب.
السلطة الفلسطينية.. «لا أريد حكم الفلسطينيين»
في الضفة الغربية، يقدم أيزنكوت رؤية مختلفة عن تلك التي تتبناها أطراف يمينية إسرائيلية تدعو إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية أو تفكيك السلطة الفلسطينية.
وقال بوضوح إنه يريد أن تكون السلطة الفلسطينية قادرة على إدارة شؤون نحو 2.8 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، مضيفًا: «لا أريد حكمهم».
ويربط أيزنكوت هذا الموقف بتحسين الظروف المعيشية والاقتصادية للفلسطينيين، معتبرًا أن تحسين الحياة اليومية للسكان جزء من السياسة الأمنية الإسرائيلية، وليس مجرد تنازل سياسي.
واقترح في هذا السياق استقطاب استثمارات خارجية، بما في ذلك من دول عربية سنية غنية، والسماح لبعض كبار السن الفلسطينيين بالعمل في إسرائيل بعد الحصول على موافقة أمنية من «الشاباك».
ويقول إن مكافحة الإرهاب الفلسطيني يجب أن تستمر، لكن مع التمييز بين منفذي الهجمات وبين عموم السكان المدنيين.
لا دولة فلسطينية بجيش.. ولا جيش أجنبي في الضفة
رغم رفضه إدارة الفلسطينيين مباشرة، لا يطرح أيزنكوت في المقابلة قيام دولة فلسطينية ذات سيادة عسكرية كاملة.
وعندما سُئل عن مستقبل الضفة الغربية، قال إنه يتصور في المستقبل ترتيبات دائمة يمكن أن تكون «حكمًا ذاتيًا أو دولة ناقصة»، لكنه شدد على أن الكيان الفلسطيني، وفق رؤيته، لن يمتلك جيشًا، مع بقاء «سيطرة أمنية إسرائيلية مطلقة».
وفي الوقت نفسه، يرفض أيزنكوت مقترحات إدخال قوات أجنبية إلى الضفة الغربية، بما في ذلك الجيش الأردني أو الجيش الفلسطيني، معتبرًا أن المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط يجب ألا تضم جيشًا أجنبيًا.
وبذلك، تقوم رؤيته على الجمع بين إدارة فلسطينية للشؤون المدنية وبين احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية، مع استبعاد وجود قوة عسكرية فلسطينية مستقلة أو قوات أجنبية في الضفة.
المستوطنات.. بقاء ما هو قانوني وإخلاء البؤر غير القانونية
في ما يتعلق بالمستوطنات، لا يدعو أيزنكوت إلى إخلائها جميعًا.
وقال إنه يؤيد استمرار المستوطنات التي تتوافق مع ما يصفه بالمصالح الأمنية الإسرائيلية والقانون الإسرائيلي، لكنه تعهد بإخلاء جميع البؤر الاستيطانية غير القانونية في المنطقتين «أ» و«ب» إذا تولى رئاسة الحكومة.
ويرى أن السماح بإقامة مستوطنات أو بؤر في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية يؤدي إلى فوضى أمنية وسياسية، ويعرقل إمكانية التوصل مستقبلًا إلى ترتيبات دائمة.
مكافحة عنف المستوطنين
أحد أبرز جوانب رؤيته للضفة يتعلق بما يسميه «الإرهاب اليهودي» وعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين.
ويقول أيزنكوت إن الحكومة الحالية أضعفت منظومة إدارة الأمن في الضفة عبر توزيع الصلاحيات بين الجيش والشرطة والإدارة المدنية ووزارات حكومية، معتبرًا أن هذا أدى إلى فقدان السيطرة وازدياد أعمال العنف.
وتعهد بإعادة بناء هذه المنظومة، وإعادة استخدام أوامر الاعتقال الإداري بحق مشتبه بهم يهود في الحالات التي يراها ضرورية قانونيًا، إلى جانب استخدام القوة ضد من يعتدي على الفلسطينيين أو يخالف القانون.
كما تعهد بمنع إحراق منازل وقرى فلسطينية، وقال إن مكافحة العنف اليهودي ستكون جزءًا من السياسة الأمنية التي سيتبناها.
ويرى أيزنكوت أن مكافحة الإرهاب يجب أن تطبق على الطرفين، مع التمييز بين منفذي الهجمات والسكان المدنيين.
أيزنكوت ينتقد ليبرمان أيضًا
وفي هذا السياق، يختلف أيزنكوت مع حليفه السياسي أفيغدور ليبرمان بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية.
فليبرمان، وفق ما ورد في المقابلة، يتحدث عن تفكيك السلطة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو، مع طرح دور أردني في إدارة أجزاء من الضفة.
لكن أيزنكوت يقول إنه يعارض هذا التصور، رغم وجود ليبرمان ضمن الكتلة السياسية التي يقودها، ويرفض إدخال الجيش الأردني إلى الضفة الغربية.
وهذا يعكس اختلافًا داخل المعسكر المعارض لنتنياهو بشأن السؤال الأساسي المتعلق بمن يجب أن يدير الفلسطينيين في الضفة، وكيف يمكن ضمان الأمن الإسرائيلي من دون إدارة إسرائيلية مباشرة للسكان.
غزة والضفة ضمن رؤية إقليمية أوسع
لا يتعامل أيزنكوت مع غزة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن المنطقة.
وقال إن الشرق الأوسط يواجه مخاطر كبيرة، لكنه يرى أيضًا فرصة لإطلاق مبادرة أمريكية متعددة المسارات تشمل إيران وغزة ولبنان وسوريا والعلاقات مع الدول العربية.
ويعتقد أن إسرائيل والولايات المتحدة تمتلكان مصالح مشتركة في مواجهة التهديدات الإقليمية، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تكون جزءًا من منظومة إقليمية أوسع.
وفي هذا السياق، دعا إلى تعزيز العلاقات مع مصر والأردن ودول اتفاقيات إبراهيم، وطرح إمكانية توسيع التعاون الأمني مع دول عربية سنية.
إيران وسوريا في حسابات «اليوم التالي»
يربط أيزنكوت مستقبل غزة أيضًا بالملف الإيراني.
وقال إن على الولايات المتحدة وإسرائيل التعامل مع البرنامج النووي الإيراني ضمن خطة شاملة، وربط الملف النووي بالاقتصاد الإيراني ومضيق هرمز.
وفي سوريا، تحدث عن ضرورة الاستفادة من الوضع الإقليمي المتغير لإعادة بحث الترتيبات الأمنية القائمة منذ اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، مع التشديد على الضمانات الأمريكية.
أما بشأن الجولان وجبل الشيخ، فقال إن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تخضع للتفاوض، في مقابل اشتراطه خروج القوات التركية والروسية من سوريا.
«غزة ليست الملف الوحيد»
يرى أيزنكوت أن التركيز على غزة وحدها لن يؤدي إلى حل مستدام، ولذلك يدعو إلى مقاربة تشمل مختلف ساحات المنطقة.
وقال إن إسرائيل بحاجة إلى استغلال ما وصفها بالفرصة الإقليمية الجديدة، والعمل مع واشنطن على بناء منظومة سياسية وأمنية تشمل إسرائيل والدول العربية.
كما تحدث عن إمكانية إقامة تعاون أمني إقليمي أوسع، بما في ذلك منظومة دفاع وإنذار مبكر تشارك فيها دول عربية.
الرهائن.. نقطة التحول في علاقته بنتنياهو
يربط أيزنكوت قراره مغادرة حكومة الحرب بفقدان الثقة في نتنياهو، خصوصًا في إدارة ملف الرهائن.
وقال إنه خلال النقاشات المتعلقة بالصفقات الأولى لإطلاق الأسرى، كان يؤيد مواصلة الاتفاقات وإخراج مزيد من الرهائن، بمن فيهم الجرحى وكبار السن، بدل العودة سريعًا إلى العمليات العسكرية.
وبحسب روايته، كان يرى ضرورة استكمال الاتفاق على مراحل، في حين عارضت الحكومة استمرار المسار.
كما اتهم نتنياهو لاحقًا بتقديم إطار لاتفاق رهائن ثم العمل سياسيًا ضده، وهي اللحظة التي قال إنها كانت «القشة التي قصمت ظهر البعير» وأدت إلى فقدانه الثقة برئيس الوزراء.
التحقيق في 7 أكتوبر وإعادة تعريف القيادة
يتعهد أيزنكوت، إذا تولى رئاسة الحكومة، بإنشاء لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، ويجعل مفهوم «المسؤولية» محورًا أساسيًا في خطابه.
ويرى أن على القائد تحمل المسؤولية عند الفشل، وإسناد الفضل للآخرين عند النجاح، معتبرًا أن نتنياهو، من وجهة نظره، لم يفعل ذلك.
ويقدم أيزنكوت تجربته الشخصية، ولا سيما فقدان نجله، باعتبارها جزءًا من مفهومه للقيادة والمسؤولية العامة.
الخدمة العسكرية والمجتمع الحريدي
في الداخل الإسرائيلي، يدعو أيزنكوت إلى خدمة وطنية شاملة تشمل جميع المواطنين، سواء عبر الخدمة العسكرية أو المدنية.
كما ينتقد بشدة إعفاء قطاعات من المجتمع الحريدي من الخدمة العسكرية، ويربط ذلك بمفهوم المساواة في تحمل أعباء الدولة.
ويقترح كذلك تشديد تطبيق قوانين التعليم الحكومي وربط التمويل العام بالتزام المؤسسات التعليمية بالمناهج الأساسية.
تحالفه وشروط تشكيل الحكومة
يقود أيزنكوت تحالفًا يضم «ياشار» إلى جانب «بياحاد» بزعامة نفتالي بينيت، و«إسرائيل بيتنا» بزعامة أفيغدور ليبرمان، و«الديمقراطيين» بزعامة يائير غولان.
ووضع أربعة شروط لأي حزب يرغب في الانضمام إلى الائتلاف، هي الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، والالتزام بالقيم الأساسية لإعلان الاستقلال، وقبول الخدمة الوطنية الإلزامية، والاعتراف بحماس منظمة إرهابية.
وقال إنه لا يسعى إلى تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية، لكنه لا يريد أيضًا بقاء نتنياهو في منصب رئيس الوزراء بصورة مؤقتة إذا لم يتمكن أي طرف من تشكيل حكومة.
وتشير التغطية الانتخابية الأخيرة إلى أن معسكر أيزنكوت لا يزال يواجه تحدي تأمين أغلبية 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة، ما يجعل طبيعة الائتلافات بعد الانتخابات قضية مركزية في السباق.
بين الحرب والسياسة
في نهاية المقابلة، يعود أيزنكوت إلى تجربته الشخصية باعتبارها جزءًا من حجته السياسية.
فهو لا يقدم نفسه فقط كرئيس أركان سابق أو عضو سابق في مجلس الحرب، بل كأب فقد ابنه في الحرب، ويرى أن هذه التجربة تمنحه، بحسب تصوره، مسؤولية إضافية تجاه مستقبل إسرائيل.
ويختصر أيزنكوت رؤيته للانتخابات باعتبارها اختيارًا بين نمطين من القيادة: قيادة تتحمل المسؤولية وتبحث عن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، وقيادة يراها مسؤولة عن استمرار الأزمة.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن رؤيته كما عرضها في المقابلة تقوم على معادلة واضحة: نزع سلاح حماس شرط للترتيبات الجديدة في غزة، وإعادة الحكم المدني وإطلاق الإعمار بعد ذلك؛ وفي الضفة، السماح للسلطة الفلسطينية بإدارة السكان الفلسطينيين وتحسين ظروفهم، مقابل استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية ورفض قيام جيش فلسطيني أو إدخال قوات عربية أجنبية.
وتكشف هذه الرؤية عن محاولة للجمع بين تشدد أمني واضح تجاه حماس، وبين رفض الإدارة الإسرائيلية المباشرة للسكان الفلسطينيين، مع إبقاء مستقبل الوضع السياسي النهائي للضفة مفتوحًا بين «حكم ذاتي» و«دولة ناقصة»، بحسب تعبيره، ومن دون التزام في المقابلة بقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة.






