رام الله- تواجه الضفة الغربية المحتلة والقدس تصاعدًا في الضغوط الإنسانية والأمنية، في ظل استمرار هجمات المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية وعمليات هدم المنازل وقيود الحركة، بالتزامن مع توسع النشاط الاستيطاني.
وتظهر أحدث البيانات الأممية اتساع آثار هذه التطورات على حياة الفلسطينيين، إذ أدت عوامل متعددة إلى نزوح آلاف الأشخاص، فيما طالت الأضرار الممتلكات والأراضي الزراعية ووسائل النقل ومصادر الدخل.
أفادت الأمم المتحدة، في بيانات نشرت في 24 سبتمبر/أيلول، بتصاعد حدة العنف والضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية والقدس.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وثقت المنظمة حتى 14 سبتمبر/أيلول أكثر من 1,600 هجوم استيطاني خلال عام 2026، أسفرت عن إصابات فلسطينية أو أضرار في الممتلكات، بمعدل بلغ نحو 6.7 هجمات يوميًا، وطالت 275 تجمعًا فلسطينيًا.
وتشير البيانات الأممية إلى أن هجمات المستوطنين أصبحت أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر في الوضع الإنساني بالضفة الغربية، إلى جانب العمليات العسكرية الإسرائيلية وعمليات الهدم والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين.
ويعكس اختلاف الأرقام الواردة في التقارير الأممية اختلاف الفترات الزمنية ومنهجيات الرصد؛ إذ تتناول بعض خرائط الأمم المتحدة الهجمات منذ عام 2023، بينما تركز التقارير الدورية لـOCHA على أرقام خاصة بعام 2026.
وتظهر البيانات الأممية أن أكثر من 6,500 فلسطيني نزحوا منذ عام 2023 نتيجة هجمات المستوطنين وقيود الوصول.
وبحسب الأمم المتحدة، تعرضت 49 جماعة فلسطينية للنزوح الكامل، فيما شهدت 83 جماعة أخرى نزوحًا جزئيًا.
ولم تقتصر الخسائر على المنازل، إذ تضررت نحو 88 ألف شجرة وشتلة، تمثل مصدرًا مهمًا للدخل بالنسبة إلى العديد من الأسر الفلسطينية، إلى جانب أكثر من 3,100 مركبة.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق آثار العنف، التي تمتد من الإصابات المباشرة إلى المسكن والأرض الزراعية ووسائل النقل ومصادر الدخل.
وتشير البيانات الأممية إلى ضرورة التمييز بين النزوح الناجم عن عنف المستوطنين وقيود الوصول، وبين إجمالي حالات النزوح في الضفة الغربية، إذ تشمل الأخيرة عوامل متعددة.
ووفق OCHA، أدى عنف المستوطنين وقيود الوصول منذ بداية عام 2026 إلى نزوح أكثر من 2,600 فلسطيني حتى منتصف سبتمبر/أيلول، في حين نزح أكثر من 1,500 شخص نتيجة عمليات هدم مرتبطة بعدم الحصول على تصاريح بناء.
وفي المقابل، تجاوز إجمالي عدد النازحين في الضفة الغربية 41,500 شخص حتى يوليو/تموز 2026، وفق البيانات الأممية، وهو رقم أوسع يشمل النزوح الناتج عن العمليات العسكرية وعمليات الهدم وعنف المستوطنين وغيرها من العوامل.
تتركز نسبة كبيرة من آثار عنف المستوطنين في التجمعات البدوية والرعوية، ولا سيما في مناطق "ج" والأغوار.
وكانت OCHA قد أشارت في تقرير سابق إلى أن هجمات المستوطنين المتكررة وقيود الوصول أدت منذ يناير/كانون الثاني 2023 إلى نزوح أكثر من 2,000 فلسطيني في منطقة الأغوار.
كما أصبحت عشرات التجمعات الفلسطينية عرضة للنزوح الكامل أو الجزئي، نتيجة تكرار الاعتداءات وقيود الوصول إلى الأراضي والخدمات الأساسية.
وتواجه هذه التجمعات ضغوطًا إضافية بسبب صعوبة الوصول إلى مصادر المياه والأراضي الزراعية والمراعي، وهي موارد أساسية لاستمرار حياة السكان ومصادر رزقهم.
لا تقتصر آثار الاعتداءات على المنازل والمركبات، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون والمراعي، التي تشكل مصدرًا أساسيًا للدخل بالنسبة إلى أسر فلسطينية عديدة في الضفة الغربية.
وتشير البيانات الأممية إلى تضرر أو تدمير نحو 88 ألف شجرة وشتلة منذ عام 2023، ضمن الهجمات التي ترصدها الأمم المتحدة.
كما وثقت OCHA خلال موسم الزيتون السابق عشرات الهجمات التي ألحقت أضرارًا بالأشجار والأراضي الزراعية، وسط مخاوف من استمرار هذه المخاطر خلال موسم الزيتون الحالي.
يتزامن عنف المستوطنين مع استمرار هدم منازل ومنشآت فلسطينية، ولا سيما في المناطق التي تخضع لنظام تصاريح البناء الإسرائيلي.
وبحسب OCHA، أدت عمليات الهدم المرتبطة بعدم الحصول على تصاريح إلى نزوح أكثر من 1,500 فلسطيني خلال عام 2026 حتى منتصف سبتمبر/أيلول.
وفي الوقت نفسه، تفرض القيود على الحركة أعباء إضافية على السكان، خصوصًا في المناطق الريفية والتجمعات المحاصرة بالحواجز والطرق المغلقة، ما يؤثر في الوصول إلى أماكن العمل والمدارس والخدمات الأساسية.
وقالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women)، في تحليل نشرته خلال سبتمبر/أيلول، إن العنف والعمليات العسكرية وقيود الحركة في الضفة الغربية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة خلال عقدين، فيما تجاوز عدد النازحين 41,500 شخص وفق بيانات OCHA حتى يوليو/تموز.
إلى جانب عنف المستوطنين، تتواصل العمليات العسكرية والاعتقالات الإسرائيلية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، وسط استمرار الهجمات الفلسطينية المسلحة أيضًا.
وفي 20 سبتمبر/أيلول، أفادت وكالة رويترز باستشهاد فلسطيني قرب مستوطنة غانيم، بعدما قالت السلطات الإسرائيلية إنه حاول تنفيذ عملية دهس، بينما أفادت مصادر فلسطينية بأن القوات الإسرائيلية منعت الطواقم الطبية من الوصول إليه.
وفي حادث منفصل في اليوم نفسه، قُتل إسرائيلي قرب مستوطنة نيفي تسوف في هجوم مسلح، وفق السلطات الإسرائيلية، قبل أن تعلن القوات الإسرائيلية اعتقال مشتبه به في مستشفى برام الله.
وتعكس هذه التطورات تداخل عدة عوامل في المشهد الأمني بالضفة الغربية، تشمل هجمات المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية والهجمات الفلسطينية المسلحة والقيود الأمنية المفروضة على حركة السكان.
وكان مسؤول أممي قد أبلغ مجلس الأمن، في مارس/آذار، بأن السلطات الإسرائيلية قدمت أو وافقت على أكثر من 6,000 وحدة استيطانية في الضفة الغربية، بينها نحو 3,160 وحدة في المنطقة "ج" و2,850 وحدة في القدس الشرقية، خلال الفترة التي غطاها التقرير.
ويرى الاتحاد الأوروبي، وفق تصريحات نقلتها رويترز في سبتمبر/أيلول، أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي وتشكل عائقًا أمام تحقيق السلام، فيما تتبنى الحكومة الإسرائيلية مواقف مختلفة بشأن الاستيطان والأمن والسيطرة على المنطقة.
وامتدت تداعيات ملف الاستيطان إلى الساحة الدولية، ففي سبتمبر/أيلول أعلنت بريطانيا حظر استيراد سلع من مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة قالت الحكومة البريطانية إنها تمثل تغييرًا واسعًا في سياستها تجاه إسرائيل.
وفي المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن واشنطن لا تريد إجراءات من شأنها زعزعة الاستقرار في الضفة الغربية، في حين لم تنضم الولايات المتحدة إلى الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا وفرنسا وكندا بشأن واردات المستوطنات.
ويعكس ذلك استمرار الخلاف الدولي بشأن كيفية التعامل مع الاستيطان والعنف في الضفة الغربية، في وقت تتواصل فيه التطورات الميدانية والإنسانية على الأرض.
ولا تتوزع آثار النزوح والعنف بالتساوي بين السكان، إذ تواجه النساء، ولا سيما اللواتي يترأسن الأسر، أعباء إضافية مرتبطة بتأمين الدخل ورعاية الأطفال والوصول إلى المساعدات والخدمات.
ووفق تحليل لـUN Women، يوجد نحو 83,200 أسرة ترأسها نساء في الضفة الغربية، فيما تجاوز عدد النازحين 41,500 شخص حتى يوليو/تموز 2026، بينهم أكثر من 20 ألف امرأة وفتاة، وفق تقديرات مبنية على بيانات السكان.
وتشير الهيئة إلى أن النساء اللواتي يترأسن الأسر يواجهن تحديات إضافية في تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرهن، خصوصًا في ظل القيود على الحركة وتراجع الوصول إلى مصادر الدخل والخدمات.
ومع استمرار الهجمات والعمليات العسكرية وقيود الحركة، تبقى التجمعات الواقعة في الأغوار ومناطق "ج" والقرى القريبة من المستوطنات من بين المناطق الأكثر تعرضًا للضغط الإنساني، وفق البيانات الأممية المتاحة.







