وكالات - تقترب سوق السندات الأميركية من إعطاء إشارة جديدة بشأن تداعيات تشدد السياسة النقدية، بعدما تقلص الفارق بين عوائد سندات الخزانة لأجل عامين و10 سنوات إلى 17 نقطة أساس فقط الأسبوع الماضي، وهو أضيق مستوى منذ أوائل عام 2025.
ويُعرف تقلص الفارق بين آجال الاستحقاق القصيرة والطويلة باسم «تسطح منحنى العائد»، فيما يتحول المنحنى إلى «مقلوب» عندما تصبح عوائد السندات قصيرة الأجل أعلى من عوائد السندات طويلة الأجل.
ويحظى هذا المؤشر بمتابعة واسعة من المستثمرين، إذ ارتبط تاريخياً بفترات تباطؤ اقتصادي، لكنه لا يمثل بمفرده دليلاً قاطعاً على قرب حدوث ركود.
تشدد الفيدرالي يضغط على الآجال القصيرة
اكتسبت مخاوف انقلاب منحنى العائد زخماً بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر رفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%. وأكد البنك أن التضخم لا يزال مرتفعاً، فيما وصف النشاط الاقتصادي بأنه يتوسع بوتيرة قوية.
وتشير تحركات السوق إلى أن المستثمرين يعيدون تسعير مسار أسعار الفائدة، مع ارتفاع العوائد على السندات قصيرة الأجل بوتيرة أسرع من نظيرتها طويلة الأجل.
وقال زاك غريفيث، رئيس استراتيجية الدرجة الاستثمارية والاقتصاد الكلي لدى «كريديت سايتس»، إن تحول منحنى العامين و10 سنوات نحو الانقلاب أو التسطح الحاد يثير تساؤلات بشأن قوة الاقتصاد التي يجري تسعيرها في سوق السندات.
هل يقترب الاقتصاد من إشارة الركود؟
سبق لانقلاب منحنى العامين و10 سنوات أن ارتبط بفترات ركود أميركية، وهو ما يجعله أحد المؤشرات التي يراقبها المستثمرون بحثاً عن علامات على ضعف النمو.
لكن التجربة الأخيرة أظهرت أن العلاقة ليست آلية. فقد انقلبت منحنيات عائد أميركية مختلفة في 2022، وسط توقعات واسعة بحدوث ركود خلال فترة قصيرة، إلا أن الاقتصاد تمكن من مواصلة النمو رغم دورة التشديد النقدي التي اتبعها الاحتياطي الفيدرالي في 2022 و2023.
وتشير هذه التجربة إلى أن تسطح المنحنى أو انقلابه يمكن أن يعكس توقعات الأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة والنمو، لكنه لا يحدد وحده توقيت الركود أو حتى يؤكد حدوثه.
رهانات على مزيد من رفع الفائدة
يراهن المتداولون على ما يعادل ثلاث زيادات إضافية، بواقع 25 نقطة أساس لكل منها، في أسعار فائدة الاحتياطي الفيدرالي خلال العام المقبل، وفقاً للمعطيات الواردة في السوق.
لكن بعض المحللين لا يتوقعون انقلاب منحنى العامين و10 سنوات قريباً، معتبرين أن جزءاً كبيراً من التشديد النقدي المحتمل جرى تسعيره بالفعل.
وقال غينادي غولدبرغ، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى «تي دي سيكيوريتيز»، إن السوق أخذت بالفعل في الحسبان زيادات كبيرة في أسعار الفائدة، وهو ما دفع المنحنى إلى التسطح الحاد خلال الأسابيع الأخيرة، مرجحاً أن يعود إلى مزيد من الانحدار لاحقاً.
عوائد السندات والأسهم تحت المراقبة
تدخل سندات الخزانة لأجل عامين و10 سنوات الأسبوع بعوائد تقارب 4.9% و5.2% على التوالي، فيما يظل عائد السندات لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوياته منذ عام 2007، بحسب البيانات الواردة في التقرير.
ويحظى منحنى العائد بأهمية خاصة بالنسبة إلى أسهم البنوك، التي تعتمد نماذج أعمالها بدرجة كبيرة على الاقتراض قصير الأجل والإقراض لفترات أطول. ويؤدي تضييق الفارق بين العوائد إلى الضغط على هوامش صافي الفائدة، ما قد ينعكس على ربحية القطاع.
وانخفض مؤشر «كي بي دبليو للبنوك» بنحو 10% من مستوياته المرتفعة الأخيرة، ودخل نطاق التصحيح الفني الأسبوع الماضي.
مؤشرات أخرى لمراقبة الركود
ولا يعتمد الاقتصاديون على منحنى العامين و10 سنوات وحده لتقييم مخاطر الركود، إذ تحظى منحنيات أخرى، من بينها الفارق بين عوائد أذون الخزانة لأجل ثلاثة أشهر والعوائد طويلة الأجل، بمتابعة من الباحثين وصناع السياسة.
كما أن الفارق بين عوائد العامين و10 سنوات قد يتأثر بعوامل أخرى، بينها توقعات التضخم، وسياسة الاحتياطي الفيدرالي، وطلب المستثمرين على السندات طويلة الأجل.
وبالتالي، فإن اقتراب المنحنى من الانقلاب يمثل تحولاً مهماً في تسعير الأسواق لمسار السياسة النقدية، لكنه لا يعني بمفرده أن الاقتصاد الأميركي يتجه حتماً إلى الركود. وتبقى بيانات النمو والتوظيف والتضخم ومسار أسعار الفائدة عوامل حاسمة في تحديد الاتجاه الاقتصادي خلال الأشهر المقبلة.







