رام الله - دعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى إلى الانتقال من مرحلة دعم قيام الدولة الفلسطينية إلى العمل على تجسيدها فعليًا على الأرض، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل «إعلان نيويورك» بشأن حل الدولتين إلى خطوات عملية ومحددة زمنيًا ولا رجعة فيها.
وجاءت تصريحات مصطفى خلال مشاركته عبر الاتصال المرئي في اجتماع التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، الذي عقد الخميس 24 سبتمبر/أيلول على هامش أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحضور وزيرة الخارجية فارسين شاهين ووكيل وزارة الخارجية عمر عوض الله.
وأكد رئيس الوزراء أن إعلان نيويورك يوفر إطارًا عمليًا لتنفيذ حل الدولتين، مشددًا على أن المسؤولية في المرحلة الحالية تتمثل في ترجمة هذا الإطار إلى إجراءات ملموسة تدفع باتجاه إنهاء الاحتلال وتجسيد دولة فلسطين.
وقال مصطفى إن تعزيز المؤسسات الفلسطينية يجب ألا يكون هدفًا منفصلًا عن المسار السياسي، بل ينبغي أن يرتبط بتمكين دولة فلسطين من أداء مسؤولياتها تجاه شعبها والاضطلاع تدريجيًا بوظائف السيادة.
خمس أولويات حتى نهاية 2027
وحدد مصطفى خمس أولويات استراتيجية للتحالف الدولي خلال الفترة الممتدة حتى نهاية عام 2027، في إطار الانتقال من دعم استحقاق الدولة الفلسطينية إلى تجسيدها على أرض الواقع.
وتتمثل الأولوية الأولى في حماية الشعب الفلسطيني والحفاظ على وحدة الأراضي وتمكين ممارسة السيادة الفلسطينية، فيما تركز الثانية على معالجة الوضع الإنساني في قطاع غزة ودعم التعافي المبكر وتحقيق الوحدة الوطنية.
أما الأولوية الثالثة فتتعلق بـبناء اقتصاد فلسطيني قابل للحياة ومستدام وقادر على الصمود، بينما تشمل الرابعة ترجمة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين إلى مكانة دولية فعلية والاندماج الكامل في المنظومة الدولية.
وتتمثل الأولوية الخامسة في ربط أجندة الإصلاح الفلسطينية بعملية تجسيد الدولة.
تحذير من تقويض مقومات حل الدولتين
وشدد رئيس الوزراء الفلسطيني على ضرورة وقف الإجراءات التي قال إنها تقوض الأسس الجغرافية والديمغرافية اللازمة لتنفيذ حل الدولتين، مؤكدًا أهمية حماية الفلسطينيين والأراضي التي يفترض أن تقوم عليها الدولة.
وأعرب عن تقديره للدول التي اتخذت أو أعلنت إجراءات ضد المستوطنات وعنف المستوطنين، داعيًا إلى توسيع التحرك الدولي لحماية الفلسطينيين والحفاظ على مقومات حل الدولتين.
وأشار مصطفى إلى أن التطورات الميدانية، وفق عرضه، تمثل سباقًا مع الزمن، محذرًا من تأثير التوسع الاستيطاني وهدم المنازل وتهجير التجمعات الفلسطينية على إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
كما ذكر مشروع «E1» الاستيطاني باعتباره أحد المشاريع التي يرى أنها تهدد التواصل الجغرافي بين القدس الشرقية وبقية أجزاء الضفة الغربية.
غزة.. من المساعدات الطارئة إلى التعافي وإعادة الإعمار
وفيما يتعلق بقطاع غزة، قال مصطفى إن الوضع الإنساني لا يزال بحاجة إلى تحرك دولي عاجل ومنسق، لكنه شدد على أن الاستجابة الدولية يجب ألا تقتصر على المساعدات الطارئة.
ودعا إلى تمكين المجتمعات الفلسطينية والمؤسسات الوطنية من استعادة سبل العيش وتنشيط النشاط الاقتصادي المحلي، مع وضع الفلسطينيين في قلب جهود التعافي وإعادة الإعمار.
وأكد أن جهود المرحلة الانتقالية والتعافي وإعادة الإعمار يجب أن تسهم في إعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت مظلة السلطة الوطنية الفلسطينية.
فجوة تمويلية بـ200 مليون دولار شهريًا
وفي الجانب الاقتصادي، أكد مصطفى أن السيادة السياسية تحتاج إلى قاعدة اقتصادية مستدامة، داعيًا إلى الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وتعزيز دور القطاع الخاص باعتباره محركًا رئيسيًا لخلق فرص العمل.
وقال إن معدل البطالة في فلسطين ظل عند نحو 50%، فيما وصل في قطاع غزة، وفق الأرقام التي عرضها، إلى قرابة 78%، معتبرًا أن هذه المؤشرات تعكس حجم الأزمة الاقتصادية ومواطن الضعف المرتبطة بالاعتماد على سوق العمل الإسرائيلي.
وطالب الشركاء الدوليين بدعم الاقتصاد الفلسطيني عبر التمويل الميسر والمختلط والاستثمار المشترك، بالتوازي مع ضمان تحويل عائدات المقاصة الفلسطينية بصورة كاملة ومنتظمة.
وأشار رئيس الوزراء إلى أن الحكومة تواجه حاليًا فجوة تمويلية تقدر بنحو 200 مليون دولار شهريًا، محذرًا من أن استمرارها لا يمثل مشكلة مالية فحسب، بل يهدد استمرارية الخدمات الأساسية وتنفيذ الإصلاحات واستقرار المؤسسات الفلسطينية.
ودعا إلى استعادة الإيرادات الفلسطينية وحماية القنوات المصرفية والعلاقات المالية الفلسطينية، باعتبار ذلك من المتطلبات الأساسية للحفاظ على الخدمات العامة والاستقرار المؤسسي وإرساء أسس الاستدامة المالية.
دعوة لترجمة الاعتراف الدولي إلى خطوات عملية
وفي الأولوية الرابعة، دعا مصطفى إلى تحويل الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين إلى نتائج عملية على المستوى الدولي، بما يشمل تعزيز العلاقات الدبلوماسية والعضوية الفلسطينية في المنظمات والمؤسسات الدولية والمالية.
كما دعا إلى دعم حصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وحث الدول التي لم تعترف بها بعد على اتخاذ هذه الخطوة، معتبرًا أنها تصب في حماية مسار حل الدولتين.
وكان اجتماع التحالف الدولي في نيويورك قد انعقد بمشاركة واسعة من الدول والمنظمات، فيما أكد الرؤساء المشاركون للتحالف أن التطورات الميدانية تقوض مقومات حل الدولتين، مع التشديد على استمرار الدفع باتجاه تنفيذه.
الإصلاح الفلسطيني وربطه بتجسيد الدولة
وأكد مصطفى التزام الحكومة الفلسطينية بمواصلة برنامج الإصلاح، لكنه دعا إلى ربط المرحلة المقبلة من الإصلاح بشكل أوضح بالتنمية وتجسيد الدولة.
وقال إن الإصلاحات يجب أن تضمن امتلاك المؤسسات الفلسطينية للسلطة والموارد والقدرة المالية والسياسات والحيز اللازم للاضطلاع بمسؤوليات الدولة ذات السيادة.
وأضاف أن تعزيز المؤسسات يجب أن يكون جزءًا من مسار سياسي أوسع يهدف إلى تمكين دولة فلسطين من ممارسة وظائفها وتقديم الخدمات لشعبها.
مصطفى: المسؤولية الفلسطينية تقابلها مسؤولية دولية
وفي ختام كلمته، أكد رئيس الوزراء الفلسطيني أن فلسطين ستواصل القيام بدورها، لكنه شدد على أن المسؤولية الفلسطينية يجب أن تقابلها مسؤولية دولية ومساءلة لإسرائيل.
واقترح أن يقيس التحالف الدولي خلال الأشهر الـ15 المقبلة مستوى التقدم ليس فقط من خلال الإصلاحات المنفذة أو حجم المساعدات المقدمة، وإنما أيضًا عبر خطوات ملموسة ومحددة زمنيًا ولا رجعة فيها باتجاه تجسيد الدولة الفلسطينية.
وقال إن اعتماد هذا المعيار من شأنه إعطاء «إعلان نيويورك» معنى عمليًا وتحويل دور التحالف الدولي من دعم حل الدولتين إلى العمل على تنفيذه.
واختتم مصطفى كلمته بالتأكيد على قدرة الفلسطينيين على إعادة بناء غزة وتحقيق التنمية، قائلًا: «ستنهض غزة من جديد... فلسطين ستتحرر... تحرككم أمر بالغ الأهمية».






