سماح شاهين- مصدر الإخبارية
"كان مصرّ يسجل في الرحلة قبل ما يبدأ العام الدراسي الجديد يوم السبت المقبل ما كنت أعرف إن طلعة التسجيل رح تكون آخر طلعة إله"، تستعيد والدة الطفل محمد الزيناتي (14 عامًا)، تفاصيل الساعات الأخيرة من حياة ابنها، الذي خرج من منزله في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، متوجهًا لتسجيل اسمه في رحلة ترفيهية كان ينتظرها بشغف، قبل أن تنتهي حياته في لحظات لم يكن يتوقعها أحد.
تقول والدته لـ"مصدر الإخبارية" إن محمد كان مصرًا على التسجيل في الرحلة، وكان يريد أن يستغل الأيام القليلة المتبقية قبل بدء العام الدراسي الجديد.
وتحكي: "كان نفسه يروح الرحلة، وكان مصرّ إنه يسجل فيها قبل ما تبدأ المدرسة يوم السبت. طلع من البيت عشان يسجل، وما خطر ببالي أبدًا إنه ما رح يرجع وفي طريقه، وقع استهداف إسرائيلي أمامه، وأصيب شاب من الدفاع المدني وبقي على الأرض".
وتتابع أن "طلب منه شاب من الدفاع المدني يساعده وينقذه، ومحمد ما تأخر هو كان أخذ دورة بالإسعافات الأولية، وكان بعرف كيف يتعامل مع المصاب، فراح عليه عشان يساعده".
لم يكن محمد ينظر إلى ما حوله باعتباره طفلًا ينبغي أن يهرب من المكان، بل رأى شخصًا يحتاج إلى مساعدة، مردفًة: "محمد قلبه ما كان يسمح له يترك المصاب. لما شافه قدامه، راح يساعده ما كان همه غير إنه ينقذ حياة".
لكن قبل أن يتمكن من إكمال محاولته، استُهدف المكان مرة أخرى الاحتلال قصف المكان مرة ثانية واستشهدوا على الفور.
كان محمد وشريف لبد بين من قضوا في الاستهداف الثاني، بعدما تحولت محاولة إنقاذ المصاب إلى اللحظات الأخيرة في حياة الطفل.
وتشير والدته إلى أن محمد لم يكن مجرد طفل خرج في ذلك اليوم للتسجيل في رحلة، بل كان طفلًا اعتاد أن يحمل القرآن في قلبه وحياته، قائلًة: "محمد كان يحفظ القرآن، وكان دائمًا يوصينا بالصلاة. كان يذكرنا فيها، وإذا قصر واحد منا بالصلاة كان يوصيه فيها".
وتضيف: "كان خدوم، يحب يساعد الناس، وما كان يقدر يشوف حدا محتاج ويتركه. يمكن عشان هيك لما شاف المصاب ما فكر بالخطر اللي حواليه."
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها محمد الموت فخلال النزوح الأول، أصيب الطفل ونجا من الموت، وعاد إلى عائلته بعدما ظنوا أنهم استعادوه من بين الخطر.
وتقول والدته: "هو أصيب في النزوح الأول، ونجا من الموت وقتها قلنا الحمد لله إنه رجع لنا، وإنه ربنا كتب له عمر جديد".
كانت والدته ترى في نجاته السابقة فرصة جديدة للحياة، ولم تتخيل أن طفلها الذي نجا من الاستهداف الأول سيُقتل وهو يحاول إنقاذ شخص آخر.
"ما كنت أتخيل إنه محمد اللي نجا قبل، رح يروح وهو بساعد مصاب. هو ما كان رايح على مكان خطر، كان رايح يسجل في رحلة، وكان بده يفرح قبل المدرسة"، تروي والدته.
ثم تعود الأم إلى اللحظة التي شاهدت فيها مقطع الفيديو الذي وثق محاولة محمد إنقاذ الشاب، قائلُة: "لما شفته بالفيديو وهو بيركض عشان يساعد المصاب، عرفت إنه هذا محمد ابني بس بعدين عرفت إن القصف الثاني أخذه".
وتكمل: "كنت مستنية يرجع من مشوار الرحلة يرجع يحكيلي إنه سجل، ويحكيلي شو صار معه بدل ما يرجع على البيت، رجع إليّ بالكفن".
وتقول بصوت مثقل بالفقد: "محمد كان عمره 14 سنة، وكان لسه عنده أحلام كان بده يروح الرحلة، وبده يبدأ المدرسة، وكان يحفظ القرآن ويوصي الناس بالصلاة".
وتضيف: "آخر شيء عمله في حياته إنه حاول ينقذ إنسان ابني راح وهو بساعد، وهذا الشيء رغم وجعي عليه، رح يضل بقلبي."
ثم تصمت قليلًا قبل أن تقول: "المرة الأولى ربنا نجّاه من الموت والمرة الثانية ما رجع خرج يسجل لرحلة ترفيهية، لكن رحلته الأخيرة كانت إلى مكان ما كنت مستعدة أودعه فيه."


