ترجمات - شكّل افتتاح مطار غزة الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 1998، وسط احتفالات واسعة وهبوط أول طائرة نفاثة، لحظة رمزية لما اعتُبر آنذاك تجسيدًا عمليًا لاتفاقيات أوسلو ومسار السلام الفلسطيني الإسرائيلي. وكان الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون قد أشاد بالافتتاح باعتباره إنجازًا ملموسًا لمسار السلام، فيما ساهمت دول أوروبية في تمويل معظم تكلفة إنشاء المطار، التي بلغت نحو 86 مليون دولار.
لكن بعد سنوات قليلة، وخلال الانتفاضة الثانية، تعرض المطار للقصف الإسرائيلي، ودُمر برج المراقبة وجُرف المدرج، بالتزامن مع تدمير مشاريع تنموية أخرى ممولة من الاتحاد الأوروبي.
وأصبح مصير المطار، الذي كان يُنظر إليه بوصفه أحد رموز السيادة الفلسطينية الناشئة، مثالًا على المأزق الذي واجهته أوروبا في تعاملها مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ إذ بقي الاتحاد الأوروبي، رغم مساهماته الاقتصادية والسياسية، في موقع الداعم لجهود السلام التي تقودها واشنطن أكثر من كونه طرفًا قادرًا على فرض مسار مستقل.
أوروبا تراجع علاقتها التقليدية بواشنطن
اليوم، ومع تصاعد النقاش داخل أوروبا بشأن الحرب على غزة ومستقبل العلاقة مع إسرائيل، تتزايد الدعوات إلى إعادة النظر في هذا الدور.
ويجادل أصحاب هذا الطرح بأن الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات اقتصادية وسياسية يمكن أن تمنحه نفوذًا أكبر، خصوصًا إذا انتقل من سياسة المساعدات والدعم الدبلوماسي إلى سياسة تربط التعاون مع إسرائيل باحترام القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.
ويقوم هذا التصور على ما يعرف بـ«الشروط البنّاءة»، أي الجمع بين الاعتراف بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية المشروعة، وبين اشتراط استمرار التعاون الأوروبي بالتزام إسرائيل بالقانون الدولي وحماية الحقوق الفلسطينية.
وقد يسمح هذا النهج، وفق الطرح الوارد في التحليل، للاتحاد الأوروبي ببناء سياسة خارجية أكثر استقلالية عن واشنطن، وفي الوقت نفسه الاستعداد لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل.
انقسامات أوروبية عطلت دور الاتحاد
على مدى عقود، تأثرت السياسة الأوروبية تجاه إسرائيل بدرجة كبيرة بالموقف الأميركي، فيما حالت الانقسامات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي دون بلورة سياسة موحدة وقوية.
فقد تبنت دول، من بينها أيرلندا، مواقف أكثر دعمًا للحقوق الفلسطينية، بينما حافظت دول أخرى، وعلى رأسها ألمانيا، على علاقات وثيقة مع إسرائيل، لأسباب سياسية وتاريخية وأمنية.
أما دول أوروبية أخرى، فتبدلت مواقفها تبعًا للحكومات والأحزاب الموجودة في السلطة.
وأدى هذا الانقسام إلى الحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على إطلاق مبادرات سياسية مستقلة، وجعل دوره يتركز بدرجة كبيرة على تقديم المساعدات ودعم مسارات السلام التي تقودها الولايات المتحدة.
كما استُبعد الاتحاد الأوروبي من اتفاقيات أبراهام التي رعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2020، والتي أدت إلى تطبيع علاقات إسرائيل مع عدد من الدول العربية، رغم أن الاتحاد الأوروبي ساهم لاحقًا في تمويل بعض المبادرات المرتبطة بالمسار الإقليمي.
مبادرة أوروبية عربية قبل حرب غزة
بدأ الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة بإظهار رغبة أكبر في التحرك بصورة مستقلة نسبيًا عن واشنطن.
وفي 18 سبتمبر/أيلول 2023، أطلق الاتحاد الأوروبي والسعودية ومصر والأردن وجامعة الدول العربية، إلى جانب دول أخرى، مبادرة هدفت إلى وضع إطار سياسي واقتصادي وأمني يمكن أن يساعد في دفع عملية سلام إقليمية شاملة.
وشاركت في المبادرة نحو 60 دولة، من بينها الولايات المتحدة، التي لم تكن في البداية متحمسة بصورة كبيرة للمسار، في وقت كانت إدارة الرئيس جو بايدن تركز على احتمال التوصل إلى اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية.
لكن هذا المسار تغير بصورة جذرية بعد أسابيع، مع هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أسفر، وفق المعطيات الواردة، عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز مئات الرهائن.
وتبع ذلك هجوم إسرائيلي واسع على قطاع غزة بدعم سياسي وعسكري أميركي، أدى إلى سقوط عشرات آلاف الفلسطينيين وتدمير واسع النطاق في القطاع، وسط اتهامات لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.
وأعاد ذلك الحرب إلى صدارة النقاشات السياسية في أوروبا والولايات المتحدة، وبدأ يدفع أطرافًا غربية إلى مراجعة مواقفها التقليدية من إسرائيل.
تحول في الرأي العام الأميركي
لم يقتصر التغيير على أوروبا، إذ شهدت الولايات المتحدة أيضًا تحولًا ملحوظًا في مواقف الرأي العام تجاه إسرائيل.
وأظهر استطلاع لمركز «بيو للأبحاث» نُشر في أبريل/نيسان أن 60% من الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بزيادة سبع نقاط مئوية خلال عام ونحو 20 نقطة مقارنة بعام 2022.
وكان التحول أكثر وضوحًا بين الديمقراطيين والشباب، لكنه امتد أيضًا إلى قطاعات من القاعدة الجمهورية. وأظهر الاستطلاع أن 57% من الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، فيما بلغت النسبة بين الديمقراطيين الشباب 84%.
ورغم أن تغير الرأي العام لم يتحول بصورة كاملة إلى تغيير في السياسة الأميركية، فإنه بدأ يترك أثرًا على النقاش السياسي الداخلي.
فداخل الحزب الديمقراطي، تصاعدت المناقشات بشأن إخفاقات إدارة بايدن في التعامل مع الحرب على غزة، فيما واجه عدد من المرشحين التقدميين في الانتخابات التمهيدية مرشحين ديمقراطيين تقليديين بسبب مواقفهم من إسرائيل.
وفي الحزب الجمهوري أيضًا، بدأ تيار انعزالي ومناهض للحرب في التشكيك ببعض ثوابت السياسة الخارجية الأميركية التقليدية، بما في ذلك الدعم غير المشروط لإسرائيل.
تغير أوروبي متزايد
وتزامن التحول الأميركي مع تغير واضح في المزاج الشعبي والسياسي الأوروبي.
فقد أظهرت استطلاعات للرأي خلال السنوات الأخيرة تراجعًا في شعبية إسرائيل داخل عدد من دول أوروبا الغربية، مقابل ارتفاع الدعم الشعبي لحقوق الفلسطينيين وحل الدولتين.
كما شهدت مدن أوروبية عدة مظاهرات واسعة احتجاجًا على الحرب الإسرائيلية في غزة، وهو ما ترافق مع ضغوط متزايدة على الحكومات لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه إسرائيل.
وفي هولندا، استقال وزير الخارجية كاسبار فيلدكامب وسط خلافات داخل الحكومة بشأن مدى تشدد الموقف تجاه إسرائيل، في مؤشر على الضغوط السياسية المتزايدة التي تواجهها بعض الحكومات الأوروبية.
واتخذت عدة دول أوروبية كذلك إجراءات تتعلق بتصدير الأسلحة إلى إسرائيل، شملت قيودًا كاملة أو جزئية، بينما بدأت دول أخرى بمناقشة خطوات اقتصادية وسياسية إضافية.
اتفاقية الشراكة.. أداة الضغط الأبرز
تُعد اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل واحدة من أهم الأدوات التي يمتلكها الاتحاد للتأثير في العلاقة مع إسرائيل.
وتمنح الاتفاقية إسرائيل وصولًا تفضيليًا إلى الأسواق والبرامج الأوروبية، لكنها تتضمن أيضًا بندًا ينص على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية.
ومع إعلان الاتحاد الأوروبي وجود مؤشرات على انتهاك إسرائيل الالتزامات المرتبطة بالاتفاقية، برزت دعوات إلى تعليقها أو إعادة النظر في بعض بنودها.
لكن هذه التحركات اصطدمت بالانقسامات بين الدول الأعضاء، خصوصًا مع معارضة دول مثل ألمانيا وإيطاليا لمقترحات تعليق الاتفاقية.
ويرى أصحاب الدعوات إلى سياسة أوروبية أكثر استقلالًا أن الاستمرار في تجميد هذه الأدوات بحجة دعم جهود السلام الأميركية أصبح أقل إقناعًا، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى السياسة الأميركية تجاه إسرائيل.
من الإدانة إلى الإجراءات العملية
يقترح الطرح الداعي إلى «الشروط البنّاءة» انتقال أوروبا من إصدار بيانات الإدانة إلى استخدام أدوات اقتصادية وسياسية ملموسة.
ومن بين الإجراءات المقترحة فرض قيود على التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، ومنع تصدير المواد التي تستخدم في بنائها، إضافة إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه خطط التوسع الاستيطاني، بما في ذلك مشروع البناء في منطقة E1 المحيطة بالقدس الشرقية.
ويستند هذا الطرح إلى أن الاتحاد الأوروبي، بوصفه أحد أكبر الشركاء التجاريين لإسرائيل وأكبر مقدمي المساعدات الخارجية للفلسطينيين، يمتلك أوراق ضغط لا تستخدم بصورة كاملة.
كما يدعو إلى مطالبة إسرائيل بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بمشاريع ومنشآت فلسطينية ممولة من الاتحاد الأوروبي.
وبحسب المعطيات الواردة في التحليل، بلغت قيمة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الممولة أوروبيًا في غزة والضفة الغربية نحو 150 مليون يورو على الأقل بحلول عام 2026، دون أن تكون هناك آلية فعالة حتى الآن لتحصيل تعويضات عنها.
وفي المقابل، استفادت المؤسسات الإسرائيلية من برامج بحثية أوروبية بمبالغ كبيرة، ما يفتح الباب أمام نقاش حول مدى توافق استمرار هذا التعاون مع السياسات الأوروبية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي.
نحو سياسة أوروبية تقوم على ثلاثة مبادئ
يقترح أصحاب هذا الاتجاه أن تقوم السياسة الأوروبية الجديدة على ثلاثة مبادئ رئيسية.
الأول هو دعم أمن إسرائيل والمخاوف الأمنية المشروعة، بالتوازي مع حماية أمن الفلسطينيين وحقوقهم ومصالح دول المنطقة.
أما المبدأ الثاني فيتمثل في جعل القانون الدولي أساسًا للعلاقات الأوروبية مع إسرائيل، بحيث لا تقتصر المطالبات على التزام الفلسطينيين بالقواعد الدولية، بل تشمل أيضًا السياسات الإسرائيلية، بما فيها العمليات العسكرية والتوسع الاستيطاني والسيطرة على الأراضي.
ويتمثل المبدأ الثالث في اعتماد سياسة عملية تربط مستوى التعاون الأوروبي مع إسرائيل بمدى الالتزام بالمبدأين السابقين.
ويعني ذلك، وفق هذا التصور، أن العلاقات التجارية والبحثية والسياسية لا ينبغي أن تكون منفصلة عن سلوك الأطراف تجاه القانون الدولي وحقوق الإنسان.
تحالف دولي لدعم حل الدولتين
وتوجد بالفعل مبادرات يمكن أن تشكل أساسًا لهذه السياسة، من بينها «التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين»، الذي أعيد إطلاقه عام 2024 بعد توقف المبادرة الأوروبية العربية التي سبقت حرب غزة.
وتقود السعودية وفرنسا والنرويج ودول أخرى هذا التحالف، الذي يسعى إلى تحديد الخطوات السياسية والاقتصادية والأمنية اللازمة لتحقيق تسوية تقوم على إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
ويستند التحالف إلى إعلان أيدته 142 دولة، ويعمل على بناء إطار دولي يمكنه الاستمرار في الدفع باتجاه حل الدولتين حتى في ظل عدم استعداد أحد أطراف الصراع أو كليهما للمشاركة بصورة مباشرة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن استثمار الاتحاد الأوروبي في التحالف يمكن أن يمنحه دورًا أكبر في صياغة مسار السلام، وأن يتيح له العمل مع الولايات المتحدة بدل الاكتفاء باتباع سياستها.
فرصة أمام أوروبا لإعادة تعريف دورها
مع استمرار الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، تبدو إمكانية الوصول إلى سياسة موحدة تجاه إسرائيل عملية صعبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقرارات صغيرة أو محدودة.
لكن التحولات الكبرى، بحسب التحليل، غالبًا ما تأتي خلال الأزمات أو في سياق مفاوضات شاملة، مثل مفاوضات الموازنة الأوروبية طويلة الأجل للفترة 2028-2034.
ومن هنا يمكن أن تشكل المفاوضات المقبلة فرصة لطرح تصور أوروبي متكامل للعلاقة مع إسرائيل، يربط التعاون الاقتصادي والسياسي بالتزامات واضحة تجاه القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأميركية واحتمال حدوث تغيرات في السياسة الخارجية لواشنطن، قد تجد أوروبا نفسها أمام فرصة للعب دور أكبر في صياغة السياسة الدولية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وفي هذا السياق، يخلص الطرح إلى أن سياسة تقوم على «الشروط البنّاءة» قد تكون أكثر قدرة على الجمع بين دعم أمن إسرائيل وحماية حقوق الفلسطينيين، مع منح الاتحاد الأوروبي دورًا سياسيًا يتناسب مع ثقله الاقتصادي والدبلوماسي، بدل بقائه في موقع المساند غير المباشر للمبادرات التي تقودها واشنطن.







