د. سامر احمد موسى - مصدر الإخبارية
تشكل الانتخابات في النظام الدستوري أكثر من مجرد الية لاختيار ممثلي الشعب، فهي الاداة الدستورية التي يعبر من خلالها الشعب عن سيادته باعتباره مصدر السلطات، والمسار الذي تتجدد عبره الشرعية السياسية وتستمر من خلاله مؤسسات الحكم القائمة على الارادة الشعبية، ومن ثم فالمساس بدورية الانتخابات لا يمكن اختزاله في كونه قرار سياسي، بل يمثل مخالفة دستورية تمس اساس الشرعية والمشروعية.
يذكر الجميع انه في التاسع والعشرين من ابريل 2021 أعلن الرئيس الفلسطيني تأجيل الانتخابات العامة الى حين موافقة سلطات الاحتلال الاسرائيلي على اجرائها في مدينة القدس الشرقية اسوة ببقية المحافظات الفلسطينية، مستندا الى هذا المبرر في اتخاذ قراره، ومنذ ذلك التاريخ بقيت الانتخابات معطلة واستمر الجدل حول مدى جواز تعليق استحقاق انتخابي عام على شرط يرتبط بإرادة سلطة الاحتلال.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لعام 2026، يعود هذا الجدل من جديد، خاصة في ضوء التصريحات الصحفية المنسوبة لنائب الرئيس الفلسطيني، غير ان البيئة القانونية الراهنة تختلف بصورة جوهرية عن عام 2021، بعد التعديلات التي طالت قانون الانتخابات واعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل على اساس الوطن دائرة انتخابية واحدة، ولم يكن هذا التحول مجرد تعديل في طريقة توزيع المقاعد بل اعاد صياغة فلسفة العملية الانتخابية، بحيث يصبح اي عائق اجرائي في جزء من الاقليم سببا للبحث عن ضمانات قانونية وادارية لمعالجته لا مبررا لتعطيل الاستحقاق الانتخابي الوطني برمته.
ويترتب على هذا التحول التزام دستوري واضح يقع على عاتق السلطات العامة ولجنة الانتخابات المركزية، ويتمثل هذا الالتزام اولا في ضمان اجراء الانتخابات في موعدها باعتبارها استحقاقا دستوريا، وثانيا في اتخاذ التدابير اللازمة لتمكين جميع الفلسطينيين، وفي مقدمتهم ابناء القدس، من ممارسة حقهم في الانتخاب والترشح، فالقانون الانتخابي الجديد بما منحه لجنة الانتخابات المركزية من صلاحيات تنظيمية واسعة لم يهدف فقط الى تنظيم المنافسة الانتخابية بل ايضا الى تعزيز قدرة العملية الانتخابية على مواجهة العقبات التي قد تعترضها وضمان استمرارها.
ان أخطر ما قد يترتب على تكرار مبررات عام 2021 لا يتمثل فقط في تأجيل الانتخابات او تعطيل مسارها، بل في تكريس فكرة ان الاحتلال يمتلك حق الاعتراض على الديمقراطية الفلسطينية، وهذا يتعارض مع مبادئ الشرعية الدستورية، فكون الشعب الفلسطيني يعيش تحت احتلال طويل الأمد لا يعني منح سلطة الاحتلال قدرة فعلية على التحكم بمصدر الشرعية الفلسطينيةـ، فاذا أصبح رفض الاحتلال لإجراء الانتخابات وفق الية معينة سببا لتعطيلها، فان القرار النهائي بشأن تجديد الشرعية سينتقل من ارادة الشعب الى ارادة سلطة الاحتلال، لذلك فالمفروض فلسطينيًا البحث عن تطوير الوسائل التي تضمن مشاركة المقدسيين أو غيرهم ممن يضعهم المحتل في ظروف استثنائية جداً.
خاصة ان التطور التشريعي والتقني يوفر اليوم ضمانات ووسائل متعددة للتعامل مع الظروف الاستثنائية بما يحافظ على جوهر الحق الانتخابي، ويمكن دراسة وسائل مثل التصويت الالكتروني او غيره من الاليات الحديثة متى توافرت الضمانات القانونية والفنية التي تكفل السرية والنزاهة والشفافية، غير ان جوهر المسألة لا يتعلق بالوسيلة التقنية فحسب بل بالمبدأ الدستوري الحاكم، وهو ان تعطيل الانتخابات لا يكون الخيار الاول عند مواجهة عائق سياسي او امني بل الخيار الاخير بعد استنفاد جميع البدائل الممكنة، فاذا كان من الممكن معالجة العائق من خلال اجراءات تنظيمية او تقنية او تشريعية، فان تعطيل الانتخابات يصبح اجراء غير متناسب مع الهدف المطلوب، فالظروف الاستثنائية قد تبرر تعديل طريقة ممارسة الحق، لكنها لا تبرر الغاء الحق ذاته.
وأخشى ان لا يقتصر الجدل المحتمل على مدينة القدس، بل قد يمتد ايضا الى الوضع الاستثنائي في قطاع غزة باعتباره تحديا قد يؤثر على استكمال العملية الانتخابية، ولا شك ان القطاع يواجه ظروفا بالغة التعقيد تفرض تحديات امنية وانسانية ولوجستية كبيرة، وان إجراء الانتخابات التشريعية يختلف عن إجراء الانتخابات المحلية من حيث نطاقها وهو ما يجعل المقارنة بينهما غير دقيقة، الا ان هذه الفوارق لا تعني التسليم باستحالة اجراء الانتخابات العامة او اعتبار الظروف الاستثنائية سببا كافيا لتعطيلها، بل يؤكد مبدأ اكثر اهمية وهو ان وجود ظروف استثنائية لا يؤدي بالضرورة الى انتفاء امكانية ممارسة الحق الانتخابي وانما يفرض على الجهات المختصة تطوير اليات وضمانات قانونية واجرائية تمكن المواطنين من ممارسة هذا الحق بدلا من تحويل التحديات القائمة الى سبب لتعطيله.
وانطلاقا من ذلك، فان حماية المسار الانتخابي لا تتحقق من خلال معالجة ظرفية للعقبات، بل تحتاج الى ضمانات قانونية واضحة تمنع تحول الظروف الاستثنائية الى وسيلة لتعطيل الاستحقاق الدستوري. ومن اهم هذه الضمانات:
1. تحديد حالات التأجيل بشكل صارم: بحيث لا يكون وجود عائق سياسي او أمنى سببا كافيا لتعطيل الانتخابات، وانما يشترط قيام حالة استحالة حقيقية وشاملة تمنع اجراء الانتخابات على مستوى الوطن كله، وبعد استنفاد جميع البدائل الممكنة، مع إخضاع قرار التأجيل او وقف المسار الانتخابي للرقابة القضائية وترسيخ مبدأ عدم تعطيل الحق الانتخابي.
2. تعزيز صلاحيات لجنة الانتخابات المركزية: لتمكينها من ادارة الظروف الطارئة، ووضع ترتيبات انتخابية خاصة تضمن استمرار المشاركة الشعبية مع الحفاظ على معايير النزاهة والسرية والشفافية.
3. اعتماد وسائل اقتراع بديلة عند الضرورة: بما في ذلك التصويت الالكتروني او غيره من الوسائل التقنية الحديثة، متى توافرت الضمانات القانونية والفنية اللازمة، حيث تظهر تجارب دولية، مثل تجربة استونيا، امكانية استخدام التصويت الالكتروني كوسيلة لتعزيز المشاركة الانتخابية مع الحفاظ على متطلبات الامن والموثوقية.
ستبقى القدس ركنا اصيلا في السيادة الفلسطينية لكن الدفاع عنها لا يكون بتعليق الديمقراطية بل بضمان مشاركة اهلها في العملية الانتخابية بكل الوسائل القانونية الممكنة، كما ان الظروف الاستثنائية في قطاع غزة، على قسوتها لا ينبغي ان تتحول الى سبب دائم لتعليق الاستحقاقات الدستورية، فالانتخابات التشريعية لعام 2026 تمثل اختبارا حقيقيا للنظام الدستوري الفلسطيني، لان الشرعية لا تتجدد بالمراسيم ولا بالخطابات السياسية، وانما تتجدد بإرادة الشعب التي يعبر عنها صندوق الاقتراع.
وإذا كان الاحتلال يسعى الى فرض قيود على ممارسة الفلسطينيين لحقوقهم السياسية، فان الرد الدستوري لا يكون بمنحه قدرة فعلية على تقرير مصير الانتخابات، ولا بالاستسلام للظروف الاستثنائية دون استنفاد البدائل القانونية الممكنة، فالقدس ليست ذريعة لتعليق الديمقراطية، وغزة ليست مبررا لوقفها، والاصل هو البحث عن الوسيلة التي تمكن المواطنين من ممارسة حقهم، لا عن المبرر الذي يؤدي الى تعطيله.





