أبوظبي - تحتفي دولة الإمارات، غداً، باليوم الدولي للعمل الخيري، في مناسبة تبرز رسوخ ثقافة العطاء في المجتمع الإماراتي، وتطور العمل الخيري والإنساني من الاستجابة للاحتياجات العاجلة إلى بناء حلول أكثر استدامة تستهدف تحسين جودة الحياة وتعزيز قدرة المجتمعات والأفراد على مواجهة التحديات.
وخلال العام الجاري، تنوعت المبادرات الإنسانية والتنموية الإماراتية بين حملات تستجيب للجوع والأزمات والكوارث، ومشاريع تستثمر في التعليم والصحة والمياه والتمكين وبناء القدرات، بما يعكس توجهاً نحو جعل العمل الخيري مساراً ممتداً لا يقتصر على تلبية الاحتياجات الآنية، وإنما يسهم في تحسين الظروف المعيشية على المدى الطويل.
«حد الحياة».. مواجهة الجوع عالمياً
وتعد حملة «حد الحياة» من أبرز المبادرات الإنسانية خلال العام الجاري، والتي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بهدف إنقاذ 5 ملايين طفل من الموت جوعاً حول العالم.
وتمكنت الحملة من جمع أكثر من 2.822 مليار درهم، بمشاركة 44,208 مساهمين من أفراد وشركات ومؤسسات إنسانية.
وتتجاوز أهمية الحملة حجم التبرعات التي جمعتها، إلى قدرتها على حشد المجتمع حول قضية إنسانية أساسية، وتحويل التضامن مع معاناة الأطفال إلى مبادرة واسعة النطاق ذات هدف محدد وأثر قابل للقياس.
التعليم استثمار في المستقبل
وشهد العام الجاري حضوراً لافتاً للتعليم ضمن أجندة العمل الخيري الإماراتي، باعتباره أحد أبرز المجالات المرتبطة ببناء مستقبل المجتمعات.
وشملت المبادرات إنشاء مدارس وفصول دراسية، ودعم الرسوم الدراسية والطلاب المحتاجين، وتوفير الحواسيب والحقائب والمستلزمات التعليمية، إلى جانب مشاريع لإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية في المناطق المتضررة.
وفي هذا السياق، دشنت مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية معهد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للتعليم المهني في جمهورية السنغال، بطاقة استيعابية تقارب ألف طالب، بهدف تزويد الشباب بالمهارات المهنية والتقنية التي تعزز فرصهم في سوق العمل.
ويمثل المشروع نموذجاً لتحول جانب من العمل الخيري من تقديم المساعدة المباشرة إلى تمكين المستفيدين من امتلاك الأدوات والمهارات التي تساعدهم على الاعتماد على الذات.
كما شملت المشاريع التعليمية إنشاء عشرات الفصول والمدارس في عدد من الدول، وإطلاق حملات لدعم تعليم الأطفال داخل الإمارات وخارجها، وتوفير المستلزمات والأجهزة والنقل والرسوم الدراسية، إلى جانب مبادرات مخصصة لدعم الطلبة في قطاع غزة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشونها.
مبادرات صحية تتجاوز العلاج
وفي القطاع الصحي، أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إطلاق مبادرة لدعم الجهود الرامية إلى القضاء على مرض «العمى النهري»، تستهدف 7 ملايين مستفيد مباشر و35.4 مليون مستفيد غير مباشر على مدى ثلاثة أعوام.
وتعكس المبادرة توجهاً نحو معالجة مسببات الأمراض والحد من انتشارها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها، بما يرفع الأثر طويل الأمد للمساعدات الصحية.
كما أطلقت هيئة الأعمال الخيرية العالمية مبادرة «صحتهم أمانة» لعام 2026، بمشاريع تتجاوز قيمتها 6 ملايين درهم، تشمل علاج 200 حالة داخل الدولة وخارجها، وإنشاء مراكز صحية في مناطق فقيرة وتوفير التجهيزات الطبية.
وامتدت المساعدات الصحية إلى دعم المستشفيات والمرافق الطبية في مناطق متضررة، بما في ذلك تجهيز أقسام الأطفال والنساء وحديثي الولادة والعناية المركزة.
المياه والبنية التحتية
ويشكل توفير المياه أحد مسارات العمل الخيري التنموي الإماراتي، من خلال مشاريع شملت حفر آلاف الآبار وتوفير مضخات المياه، إلى جانب تنفيذ مشاريع لتحلية المياه واستخدام الطاقة الشمسية.
وتستهدف هذه المشاريع تلبية احتياجات أساسية للسكان، مع تقليل اعتماد المجتمعات على المساعدات الطارئة، عبر توفير مصادر مستدامة للمياه والخدمات الأساسية.
الإغاثة العاجلة حاضرة
وبالتوازي مع المشاريع التنموية طويلة الأمد، تواصل الإمارات استجابتها الإنسانية العاجلة في مناطق الأزمات والكوارث.
وتشمل هذه الجهود عمليات الإغاثة في قطاع غزة ضمن عملية «الفارس الشهم 3»، إلى جانب تقديم الدعم الإنساني للشعب السوداني والاستجابة للمتضررين من الكوارث الطبيعية في مناطق مختلفة حول العالم.
ويعكس الجمع بين الإغاثة العاجلة والمشاريع التنموية نموذجاً يقوم على تلبية الاحتياجات الفورية، بالتوازي مع العمل على معالجة بعض الأسباب التي تجعل المجتمعات أكثر عرضة للأزمات.
الوقف كأداة لاستدامة العطاء
وامتد مفهوم الاستدامة كذلك إلى آليات تمويل العمل الخيري، مع إطلاق «وقف أم الإمارات للأيتام» بوصفه مورداً مستداماً لرعاية الأيتام وتحسين جودة حياتهم وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وجمعت الحملة خلال شهر رمضان 3.3 مليار درهم، بما يقدم نموذجاً لتحويل التبرع من مساعدة مرتبطة بوقت محدد إلى أصل وقفي يستمر أثره على مدى سنوات.
أكثر من 353 مليون درهم خلال نصف عام
وتكشف مؤشرات العمل الخيري خلال العام الجاري عن اتساع حجم النشاط وتنوع مجالاته.
وتجاوزت قيمة مشاريع هيئة الأعمال الخيرية العالمية داخل الإمارات وخارجها خلال النصف الأول من العام 353 مليون درهم، بزيادة بلغت 15% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
كما نفذت جمعية الشارقة الخيرية خلال الفترة ذاتها 11,051 مشروعاً وحملة إنسانية وتنموية خارج الدولة، بقيمة 139.8 مليون درهم.
من جهتها، نفذت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي برامج رمضانية استفاد منها أكثر من 1.5 مليون شخص داخل الدولة وفي 44 دولة حول العالم خلال عام 2026، إلى جانب مشاريع لدعم القرى الفقيرة وتوفير الخدمات الأساسية وتنفيذ برامج صحية واجتماعية.
امتداد لنموذج إنساني متراكم
وتأتي هذه النتائج ضمن مسار طويل للعمل الخيري والإنساني الإماراتي، إذ تجاوز إجمالي مساعدات مؤسسة زايد الخير ملياري درهم، ووصل أثرها إلى أكثر من 180 دولة.
كما أنفقت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية والإنسانية نحو 192.6 مليون درهم خلال عام 2025 على مشاريع في 26 دولة، شملت قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.
وتبرز المبادرات الإماراتية خلال العام الجاري نموذجاً للعمل الخيري يجمع بين سرعة الاستجابة واتساع نطاق الوصول واستدامة الأثر وتمكين الإنسان، بحيث لا تقتصر المساعدة على معالجة الاحتياج القائم، بل تمتد إلى بناء قدرات وحلول يمكن أن تستمر آثارها لفترات أطول.






