وكالات - تبدأ، الاثنين، أعمال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، بمشاركة الرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في أول اجتماع يجمع القادة الثلاثة منذ اندلاع الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.
ويشارك في القمة أيضاً رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إلى جانب قادة دول آسيا الوسطى وباكستان وبيلاروسيا، في وقت تواجه فيه المنظمة اختباراً سياسياً واقتصادياً متزايداً بفعل تصعيد واشنطن ضغوطها على طهران.
وتأتي القمة بالتزامن مع تهديد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بفرض إجراءات عقابية إضافية على إيران والدول والجهات التي تدعمها، بما يزيد الضغوط على أعضاء المنظمة، وخصوصاً الصين وروسيا، اللتين ترتبطان بعلاقات اقتصادية واستراتيجية وثيقة مع طهران.
وقال هنري وانغ هوياو، مؤسس مركز الصين والعولمة للأبحاث في بكين، إن ملامح تكتل أمني جديد تتشكل بصورة متزايدة، معتبراً أن النظام العالمي أحادي القطب الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة خلال العقود الماضية آخذ في الانحسار.
تضامن سياسي وحدود للدعم
رغم اتساع نفوذ منظمة شنغهاي للتعاون، فإن قدرتها على اتخاذ موقف موحد تجاه الأزمة الإيرانية تبدو محدودة، في ظل اختلاف أولويات ومصالح الدول الأعضاء.
ومن المتوقع أن تقتصر مواقف القمة على إظهار تضامن سياسي مع إيران وإدانة الضغوط الأميركية، دون مؤشرات واضحة على استعداد الصين أو روسيا لتقديم دعم عسكري مباشر لطهران.
ويرى محللون أن بكين وموسكو تفضلان تجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن بسبب إيران، خصوصاً مع ارتفاع كلفة العقوبات الثانوية التي يمكن أن تطال المؤسسات والشركات المرتبطة بالتجارة مع طهران.
وقال جيريمي تشان، كبير المحللين لشؤون الصين وشمال شرق آسيا لدى مجموعة «أوراسيا»، إن من المرجح صدور انتقادات خطابية للولايات المتحدة، لكنه أشار إلى أن بكين قد تتردد في إبراز محدودية قدرة المنظمة على حماية إحدى الدول الأعضاء.
منظمة واسعة النفوذ
تأسست منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001 بمبادرة من الصين وروسيا إلى جانب كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان، قبل أن تتوسع عضويتها لاحقاً لتشمل الهند وباكستان وإيران وبيلاروسيا.
وتضم المنظمة كذلك عدداً من الدول بصفة شركاء حوار، بينها السعودية وتركيا ومصر والإمارات، بينما تتمتع أفغانستان ومنغوليا بصفة مراقب.
ويمثل أعضاء المنظمة أكثر من 40% من سكان العالم ونحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق بيانات البنك الدولي، ما يمنحها وزناً اقتصادياً وجيوسياسياً كبيراً.
غير أن هذا الوزن لم يتحول حتى الآن إلى منظومة متكاملة قادرة على التحرك الجماعي، إذ واجهت المنظمة صعوبات في إنشاء بنك تنمية وآليات دفع مشتركة وتعزيز التكامل الاقتصادي بين أعضائها.
روسيا تسعى لإظهار عدم عزلتها
وتكتسب مشاركة بوتين أهمية خاصة بالنسبة إلى موسكو، التي تسعى إلى استخدام القمة لإظهار استمرار علاقاتها الدولية رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا.
ومن المتوقع أن يعقد بوتين وشي محادثات على هامش القمة، في ظل تنامي الاعتماد الاقتصادي الروسي على الصين، خصوصاً في مجالات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا.
وقالت فيتا سبيفاك، المتخصصة في العلاقات الصينية الروسية لدى شركة «غيتهاوس»، إن الهدف الرئيسي لموسكو يتمثل في إظهار أن روسيا وبوتين لا يزالان قادرين على الحفاظ على حضور جيوسياسي واسع.
وأضافت أن ملفات التعاون العسكري والتكنولوجي والطاقة ستكون من أبرز القضايا ذات الاهتمام بالنسبة إلى موسكو وبكين.
الهند بين المصالح الاقتصادية والضغوط الأميركية
وتشارك الهند في القمة وسط حسابات دقيقة تتعلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران.
ومن المنتظر أن يبحث مودي مع قادة دول آسيا الوسطى ملفات التجارة والرسوم الجمركية، في وقت تواجه فيه نيودلهي تداعيات العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.
وتشكل العقوبات عائقاً أمام استخدام الهند لميناء تشابهار الإيراني، الذي يمثل منفذاً استراتيجياً للوصول إلى آسيا الوسطى وتوسيع التجارة الهندية مع دول المنطقة.
وفي المقابل، عززت الهند وارداتها من النفط الروسي، الذي أصبح أحد المصادر الرئيسية للخام بالنسبة إلى نيودلهي، خصوصاً مع اضطراب صادرات الطاقة من الشرق الأوسط بفعل الحرب مع إيران.
ومن المتوقع أيضاً أن يجري مودي لقاء مع بوتين، فيما قد تتيح القمة فرصة للقاء مع شي، في ظل تحسن تدريجي للعلاقات الصينية الهندية عقب سنوات من التوتر الحدودي.
اختبار حقيقي لمنظمة شنغهاي
وتحاول منظمة شنغهاي تقديم نفسها باعتبارها إطاراً متعدد الأطراف قادراً على تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين دول غير غربية، لكن الأزمة الإيرانية تضع هذا الطموح أمام اختبار عملي.
ورغم التدريبات العسكرية المشتركة التي أجرتها بعض الدول الأعضاء خلال السنوات الماضية، فإن المنظمة لم تتحول إلى تحالف عسكري مماثل لحلف شمال الأطلسي، كما لم تتمكن من إنشاء منظومة مالية واقتصادية موحدة تقلل اعتماد أعضائها على النظام المالي الغربي.
ويرى تيمور أوماروف، الباحث في مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا، أن قادة المنظمة سيحاولون تقديم القمة باعتبارها دليلاً على وجود قوة مقابلة للنظام العالمي الذي تقوده واشنطن، لكنه حذر من تحميل المنظمة قدرات لا تمتلكها فعلياً.
ويضع التصعيد الأميركي ضد إيران المنظمة أمام معادلة صعبة: الحفاظ على صورتها كقوة دولية صاعدة، من دون دفع أعضائها إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد تفرض عليهم تكاليف اقتصادية وسياسية كبيرة.
وبذلك، قد تكشف نتائج القمة ما إذا كانت منظمة شنغهاي قادرة على الانتقال من التنسيق السياسي والبيانات المشتركة إلى خطوات عملية، أم أن التباين بين مصالح أعضائها سيبقيها إطاراً للتشاور والتعاون أكثر من كونها تحالفاً قادراً على مواجهة الضغوط الأميركية بصورة موحدة.







