زياد أبو خوصة - مصدر الإخبارية
في قطاع غزة، لا ترتبط أخطار الموت بالقصف والعنف المباشر وحدهما. هناك مرضى يحتاجون إلى تشخيص أو علاج أو رعاية تخصصية، لكن الوصول إليها قد يستغرق وقتا لا تسمح به حالتهم الصحية.
قد يبدأ الأمر بألم غير واضح، ثم رحلة بحث عن طبيب واختصاصي وفحوص تقود إلى التشخيص والعلاج. وإذا لم تكن الرعاية المطلوبة متاحة داخل القطاع، تبدأ إجراءات التحويل والإجلاء الطبي إلى الخارج. وخلال هذه المراحل، يستمر المرض.
أعرف ذلك لأنني عشته داخل عائلتي.
بدأت حالة والدي بألم لم نعرف سببه. تنقلنا بين مستشفيات وعيادات بحثا عن طبيب يستطيع تحديد المشكلة، ثم بدأنا البحث عن الفحوص اللازمة للوصول إلى تشخيص دقيق.
لم يكن ذلك سهلا. فقد تعرض النظام الصحي في غزة لأضرار واسعة، فيما تعمل المرافق التي لا تزال تستقبل المرضى تحت ضغط كبير، مع نقص في بعض التخصصات والأدوية والمعدات. وبالنسبة إلينا، كان ذلك يعني مزيدا من البحث والانتظار، بينما كان ألم والدي يتزايد.
وعندما لم يعد الفحص السريري كافيا، احتاج الأطباء إلى تحاليل وصور وفحوص أكثر تخصصا. لكن طلب الفحص لا يعني إمكان إجرائه مباشرة. كان علينا أحيانا معرفة أين يتوفر الجهاز المطلوب، ثم الحصول على موعد والوصول إلى المنشأة وانتظار الدور.
حتى الوصول إلى مكان الفحص أصبح جزءا من المشكلة. فالطرق المتضررة وصعوبة التنقل ونقص وسائل النقل جعلت حركة كثير من المرضى أكثر مشقة. وبالنسبة إلى شخص يعاني ألما شديدا، يمكن لمسافة قصيرة أو انتظار طويل أن يزيدا من إنهاكه.
ويحدث ذلك كله في ظروف معيشية صعبة تشمل النزوح والاكتظاظ وتراجع خدمات المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات وصعوبة الحصول على الغذاء الكافي. وهي عوامل لا تؤثر في الصحة العامة فقط، بل تجعل متابعة المرض وإجراء الفحوص والحصول على العلاج أكثر تعقيدا.
وتظهر بيانات الأمم المتحدة حجم الضغط على القطاع الصحي. ففي تقرير صدر في 16 يوليو/تموز 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن 44 في المائة فقط من نقاط تقديم الخدمات الصحية التي كانت مرصودة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 كانت لا تزال تعمل في قطاع غزة.
وبالنسبة إلى المريض، يعني ذلك خيارات أقل للحصول على الخدمة التي يحتاج إليها، وضغطا أكبر على المرافق العاملة، واحتمالا أكبر للانتظار أو الانتقال إلى مكان آخر بحثا عن الرعاية.
بعد شهور من البحث والفحوص، حصلنا على تشخيص أولي لحالة والدي. لكن الأطباء أخبرونا أن الرعاية التخصصية التي يحتاج إليها غير متاحة في غزة، وأن علاجه يتطلب الخروج من القطاع.
بدأنا إجراءات التحويل للعلاج في الخارج: إعداد الملف الطبي ومراجعته، ثم انتظار استكمال الترتيبات اللازمة لقبول الحالة وتنظيم الإجلاء.
وخلال هذه الفترة، يبقى المريض داخل غزة معتمدا على ما يمكن توفيره له من علاج ومتابعة. وحتى بعد تقدم ملفه، لا يعني ذلك أنه سيغادر مباشرة، إذ تبقى ترتيبات القبول والتنسيق والمغادرة والمرافقين.
وفي 11 أغسطس/آب 2026، قال متحدث باسم منظمة الصحة العالمية إن 12,913 مريضا، بينهم 6,186 طفلا، أُجلوا طبيا من غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما لا يزال آلاف المرضى ينتظرون الإجلاء للحصول على رعاية غير متاحة داخل القطاع.
كان والدي واحدا ممن انتظروا فرصة الخروج للعلاج.
بعد التشخيص، واصلت حالته التدهور. وفي مرحلة ما، لم يعد اهتمامنا منصبا فقط على موعد استكمال الإجراءات، بل على قدرته الجسدية على الانتظار.
ثم تدهورت حالته بصورة حادة. كنت إلى جانبه عندما فارق الحياة.
لا أستطيع القول إن خروجه للعلاج كان سيغير النتيجة، ولا أن أنسب وفاته إلى سبب واحد. كان مرضه خطيرا، ولا توجد لدي طريقة لمعرفة ما كان سيحدث لو تلقى الرعاية المطلوبة في وقت أو مكان مختلفين.
لكن ما حدث معه غيّر فهمي لما يواجهه المريض في غزة.
هناك جانب من الأزمة الصحية لا يظهر في المشهد اليومي، ولا تعكسه أعداد الضحايا والجرحى: ما يحدث للمريض في الفترة بين ظهور الأعراض والحصول على التشخيص والعلاج.
يصعب توثيق هذه الفترة في مشهد واحد. فالفحص الذي يتأخر، والاختصاصي غير المتاح، والدواء الذي يصعب الحصول عليه، وشهور انتظار الإجلاء، لا تظهر آثارها كاملة في لحظة محددة. أثرها يتكشف مع تطور حالة المريض بمرور الوقت.
وهذا يطال مرضى يحتاجون إلى علاج للسرطان وأمراض القلب والكلى وغيرها من الحالات التي تتطلب رعاية تخصصية، إلى جانب مرضى يحتاجون إلى فحوص وتشخيص ومتابعة منتظمة.
ولا يعني ذلك أن الرعاية الصحية توقفت في غزة. فالمستشفيات التي لا تزال تعمل تستقبل المرضى، ويواصل الأطباء والممرضون والعاملون الصحيون أداء مهامهم في ظروف صعبة، كما تعمل فرق صحية محلية ودولية على إبقاء الخدمات المتاحة قائمة.
لكن عمل المستشفى لا يعني أن جميع التخصصات والفحوص والعلاجات متوفرة فيه. وصدور تحويلة طبية لا يعني أن المريض وصل إلى الجهة التي أُحيل إليها.
والدي لم يمت في غارة جوية، لكنه لم يواجه مرضه في ظروف صحية عادية. كان يحتاج إلى رعاية قال الأطباء إنها غير متاحة في غزة، وكان الوصول إليها يتطلب إجراءات وترتيبات لم يكن يملك التحكم في مدتها.
لا أستطيع معرفة ما إذا كان تلقيه العلاج خارج غزة سيغير النتيجة. لكنني أعرف ما رأيته خلال مرضه: الوقت الذي مضى بين الألم والتشخيص، وبين التشخيص ومحاولة الوصول إلى العلاج.
المريض الذي ينتظر في مستشفى أو عيادة أو سيارة إسعاف في غزة لا يسأل فقط عما اصابه من مرضه، بل هل سيصل إلى العلاج في الوقت المناسب؟.







