ترجمات - لم تكن الهيمنة الصينية على سوق العناصر الأرضية النادرة نتيجة خطة استراتيجية متكاملة أعدتها بكين منذ عقود للسيطرة على الاقتصاد العالمي، كما يعتقد كثيرون. فقد تشكلت هذه الهيمنة تدريجياً عبر مزيج من المصالح الاقتصادية الداخلية، والسياسات الصناعية، والطلب العالمي المتزايد، إلى جانب سلسلة من الأزمات والتوترات التجارية التي دفعت الصين والولايات المتحدة إلى تحويل سلاسل الإمداد إلى أدوات نفوذ متبادل.
وتحتل الصين اليوم موقعاً محورياً في صناعة العناصر الأرضية النادرة، التي تضم 17 عنصراً كيميائياً تدخل في صناعات حيوية تشمل أشباه الموصلات، والمركبات الكهربائية، وأنظمة الطاقة النظيفة، والإلكترونيات المتقدمة، والصناعات الدفاعية والفضائية.
وتكمن أهمية هذه المعادن ليس فقط في وجودها داخل الأرض، وإنما في صعوبة استخراجها وفصلها ومعالجتها بكميات اقتصادية، فضلاً عن الطبيعة شديدة التلوث لبعض مراحل إنتاجها. ولذلك أصبحت السيطرة على مراحل التعدين والمعالجة والتصنيع عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الدول والشركات على الوصول إلى هذه الموارد.
البداية.. من مقولة دينغ إلى صناعة استراتيجية
اشتهرت الصين منذ تسعينيات القرن الماضي بمقولة الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ: "الشرق الأوسط يملك النفط، والصين تملك العناصر الأرضية النادرة".
ويُعاد تداول هذه العبارة حالياً باعتبارها دليلاً على أن بكين كانت تخطط منذ ذلك الوقت لاستخدام المعادن النادرة كسلاح جيوسياسي، إلا أن التطور التاريخي للصناعة يقدم صورة أكثر تعقيداً.
فعندما أطلق دينغ تصريحاته، كانت الصين تنظر إلى هذه الموارد باعتبارها فرصة للتنمية الاقتصادية وتعزيز الصادرات، وفي الوقت نفسه مورداً استراتيجياً ينبغي عدم استنزافه. ولم تكن الدولة الصينية تملك آنذاك السيطرة الكاملة على القطاع، الذي ظل لسنوات يعاني من الإنتاج العشوائي والمنافسة المحلية الشرسة والتهريب والتلوث.
وكانت الأولوية الاقتصادية لبكين خلال الثمانينيات تتمثل في زيادة احتياطيات النقد الأجنبي وتعزيز الصادرات، ولذلك سمحت بنمو سريع لقطاع التعدين، حتى لو كان ذلك على حساب البيئة وكفاءة الإنتاج.
كيف تغلبت الصين على الولايات المتحدة؟
شهدت الصين خلال الثمانينيات توسعاً هائلاً في إنتاج العناصر الأرضية النادرة، خصوصاً بعد تطوير الكيميائي الصيني شو غوانغشيان طريقة أقل تكلفة لفصل هذه العناصر.
ومع ارتفاع الطلب العالمي على الإلكترونيات وأشباه الموصلات، أصبحت السوق الخارجية مصدراً مهماً للنمو بالنسبة للصناعة الصينية. وبحلول أوائل تسعينيات القرن الماضي، تجاوز إنتاج الصين الإنتاج الأمريكي، لتصبح أكبر منتج عالمي لهذه المعادن.
وفي تلك المرحلة، استفادت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان من انخفاض أسعار المنتجات الصينية، بينما انتقلت إلى الصين أيضاً الأعباء البيئية المرتبطة بالتعدين والمعالجة.
وتتميز العناصر الأرضية النادرة بأنها ليست نادرة بالمعنى الجيولوجي المباشر، لكن المشكلة تكمن في أن العثور عليها بتركيزات تسمح باستخراجها اقتصادياً أمر أكثر صعوبة. كما أن فصلها ومعالجتها يتطلبان تقنيات متخصصة، ويمكن أن ينتجا مخلفات شديدة التلوث.
وبالتالي، ساهمت التكلفة المنخفضة للإنتاج الصيني في إخراج عدد من المنافسين الأجانب من السوق، وهو ما عزز تدريجياً اعتماد الاقتصاد العالمي على الصين.
صناعة فوضوية وتلوث واسع
لم يكن النمو السريع للقطاع الصيني خالياً من الثمن.
فخلال التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، أدى ضعف الرقابة إلى انتشار عمليات التعدين غير القانونية، فيما دخلت الحكومات المحلية في منافسة لتوسيع الإنتاج وجذب الإيرادات.
وأدى الإفراط في الإنتاج إلى انخفاض الأسعار بشدة، حتى أصبحت المعادن الأرضية النادرة تُباع في الصين بأسعار وُصفت بأنها لا تتجاوز قيمة "الملفوف أو التراب".
وفي الوقت نفسه، تفاقمت الأضرار البيئية، خصوصاً في مناطق التعدين الرئيسية مثل منغوليا الداخلية ومقاطعة جيانغشي.
هذا الوضع دفع الحكومة المركزية إلى تغيير سياستها تدريجياً. فبدلاً من التركيز على زيادة الإنتاج والصادرات بأي ثمن، بدأت بكين في فرض قيود على التعدين غير المرخص، وتشديد الرقابة على القطاع، وخفض الصادرات، وحماية الموارد المحلية.
ومنذ عام 2002، بدأت بكين حملة أكثر جدية لإعادة تنظيم الصناعة، تلتها إجراءات ضريبية وجمركية وحصص للإنتاج والتصدير.
أزمة اليابان عام 2010.. اللحظة التي اكتشف فيها العالم قوة الصين
جاء التحول الأبرز عام 2010، عندما اندلعت أزمة بين الصين واليابان على خلفية نزاع حول جزر دياويو، التي تطلق عليها اليابان اسم سينكاكو.
وبعد احتجاز اليابان قبطان سفينة صيد صينية، ظهرت تقارير عن توقف صادرات العناصر الأرضية النادرة الصينية إلى اليابان.
وأثارت الواقعة صدمة واسعة في الأسواق، لأن الصناعات اليابانية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الإمدادات الصينية.
كما دفعت الأزمة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان إلى اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية، بينما بدأت دول أخرى في التفكير جدياً في مخاطر الاعتماد على مورد واحد.
لكن المثير للاهتمام أن الأدلة التاريخية لا تؤكد بصورة قاطعة أن وقف الصادرات كان قراراً مركزياً ومدروساً من القيادة الصينية لمعاقبة اليابان.
وتشير أبحاث تناولت الواقعة إلى احتمال أن تكون القيود قد بدأت من مسؤولين محليين وعاملين في الموانئ والجمارك، قبل أن تكتشف بكين ما حدث.
ومع ذلك، فإن النتيجة السياسية كانت واضحة: اكتشفت الصين نفسها أن المعادن الأرضية النادرة يمكن أن تمنحها نفوذاً اقتصادياً كبيراً.
من حماية الموارد إلى بناء القدرة على الصمود
دفعت أزمة 2010 بكين إلى تعزيز سيطرتها على القطاع، لكن الصين لم تتجه فوراً إلى استخدام المعادن النادرة كسلاح سياسي شامل.
بل تبنت سياسة تقوم على بناء القدرة على الصمود، وضمان عدم استنزاف الموارد، وزيادة السيطرة الحكومية على الصناعة.
وفي عام 2012 بدأت الرقابة المركزية على القطاع تتعزز، ثم جرى في 2014 إعادة هيكلة الصناعة من خلال تجميع الشركات في مجموعات كبيرة تسيطر عليها الدولة.
كما تخلت الصين لاحقاً عن نظام حصص التصدير بعد حكم منظمة التجارة العالمية، واتجهت بدلاً من ذلك إلى أدوات أخرى للرقابة، مثل التتبع والاستثمار في مشاريع التعدين خارج الصين.
وكان الهدف الرئيسي هو تأمين احتياجات الاقتصاد الصيني المتزايدة، وليس بالضرورة الاستعداد لاستخدام المعادن كسلاح في مواجهة الولايات المتحدة.
واشنطن تدخل المواجهة
عاد ملف المعادن الأرضية النادرة إلى قلب العلاقات الأمريكية الصينية مع تصاعد الحرب التجارية والتكنولوجية.
وفي عام 2019، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قيوداً قاسية على شركة هواوي الصينية، ومنعت شركات أمريكية من التعامل معها، كما ضغطت على حلفاء واشنطن لتقييد استخدام معدات الشركة في شبكات الجيل الخامس.
وأثارت هذه الخطوة نقاشاً داخل الصين حول إمكانية استخدام المعادن النادرة رداً على القيود الأمريكية.
لكن بكين لم تقدم في ذلك الوقت على قطع إمدادات المعادن، إذ كانت تدرك أن استخدام هذه الورقة بصورة مفرطة قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تسريع بناء سلاسل توريد بديلة.
كما كانت الصين نفسها تعتمد على الخارج في الحصول على العديد من الموارد والتقنيات الأساسية.
العقوبات الأمريكية غيّرت الحسابات الصينية
مع تصاعد القيود الأمريكية على أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة، بدأت بكين في بناء منظومة قانونية وصناعية تسمح لها باستخدام المواد الخام والمعادن الحيوية كأداة للرد.
وأطلقت الصين استراتيجية "التداول المزدوج" عام 2020 بهدف تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية وتعزيز قدراتها المحلية.
كما اعتمدت قانوناً لمراقبة الصادرات، وعززت السيطرة الحكومية على قطاع المعادن الأرضية النادرة.
وفي 2023، اتخذت بكين خطوة أكثر وضوحاً عندما فرضت نظام تراخيص على صادرات الغاليوم والجرمانيوم، وهما معدنان مهمان لصناعة أشباه الموصلات.
وبعد ذلك، اتسعت القيود لتشمل تقنيات معالجة العناصر الأرضية النادرة، ما جعل القضية تتجاوز مجرد امتلاك المناجم إلى السيطرة على التكنولوجيا اللازمة لتحويل الخام إلى منتجات عالية القيمة.
الحرب التجارية في 2025 كشفت قوة السلاح
بلغ التصعيد مرحلة جديدة خلال الولاية الثانية لترامب، بعدما فرضت واشنطن تعريفات جمركية واسعة على الصين.
وردت بكين بإضافة عدد من العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة إلى قائمة السلع الخاضعة لرقابة التصدير.
وأدت موجة طلبات التراخيص إلى اختناقات إدارية وتأخير في الشحنات، فيما تراجعت صادرات المغناطيسات الأرضية النادرة الصينية بصورة حادة خلال فترة من عام 2025.
وردت واشنطن بدورها بقيود إضافية على بعض المنتجات والتقنيات، قبل أن يدخل الطرفان في مفاوضات أدت إلى تخفيف متبادل للإجراءات.
وكشفت الأزمة أن الصين قادرة على إحداث اضطرابات كبيرة في قطاعات صناعية حساسة، لكنها كشفت أيضاً عن حدود هذا النفوذ.
لماذا لا تستطيع الصين استخدام المعادن كسلاح بلا حدود؟
رغم القوة التي تمنحها الهيمنة الصينية، فإن استخدام المعادن الأرضية النادرة كسلاح اقتصادي شامل يحمل مخاطر كبيرة بالنسبة إلى بكين نفسها.
فكلما استخدمت الصين القيود على صادراتها بصورة أكثر عدوانية، زادت حوافز الولايات المتحدة واليابان وأوروبا ودول أخرى للبحث عن مصادر بديلة.
وقد بدأت اليابان بالفعل في خفض اعتمادها على الصين، كما تتوسع الاستثمارات في التعدين والمعالجة وإعادة التدوير في الولايات المتحدة ودول أخرى.
إضافة إلى ذلك، لا تسيطر الصين بالدرجة نفسها على جميع مراحل سلسلة القيمة، كما أنها لا تزال تواجه فجوات تكنولوجية في بعض المجالات، ومنها إعادة التدوير وبعض مراحل التصنيع المتقدم.
وبالتالي، فإن السيطرة على المعادن تمنح بكين رافعة ضغط، لكنها لا تعني امتلاك قدرة غير محدودة على فرض إرادتها على الاقتصاد العالمي.
الاعتماد المتبادل.. سلاح ذو حدين
تشبه وضعية العناصر الأرضية النادرة إلى حد ما هيمنة الولايات المتحدة على النظام المالي العالمي القائم على الدولار.
فامتلاك نقطة اختناق في سلسلة الإمداد يمنح الدولة نفوذاً، لكن تحويل هذه النقطة إلى سلاح شامل قد يؤدي في النهاية إلى تقويض قيمتها.
فإذا قطعت الصين الإمدادات بشكل كامل، ستدفع الشركات والدول إلى البحث عن بدائل، حتى لو كانت تلك البدائل أكثر تكلفة.
وفي المقابل، إذا حاولت الولايات المتحدة فصل الاقتصاد الصيني بالكامل عن سلاسل التوريد العالمية، فإنها ستواجه هي الأخرى تكلفة اقتصادية ضخمة، نظراً إلى حجم الصين في التجارة والصناعة العالمية.
وتشير تقديرات اقتصادية أوردتها الدراسة إلى أن استبعاد الصين بالكامل من سلاسل التوريد الأمريكية في قطاعات التكنولوجيا والتصنيع قد يكلف الاقتصاد الأمريكي نحو 13 تريليون دولار خلال 25 عاماً.
معركة طويلة على المعادن والتكنولوجيا
لذلك، لا تبدو المعركة الأمريكية الصينية حول العناصر الأرضية النادرة مجرد صراع على المناجم.
المعركة الحقيقية تدور حول من يسيطر على سلسلة القيمة بأكملها، بدءاً من استخراج الخام، مروراً بالتكرير والفصل، ووصولاً إلى المغناطيسات والمنتجات والتقنيات التي تعتمد عليها.
وتسعى الولايات المتحدة إلى إعادة بناء قدراتها المحلية وتنويع مصادر الاستيراد، بينما تعمل الصين على تعزيز سيطرتها على صناعتها المحلية وتأمين إمداداتها الخارجية وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تستثمر الدول الحليفة للولايات المتحدة في مشاريع بديلة، فيما تحاول الصين توسيع حضورها في سلاسل الإمداد العالمية.
لكن بناء هذه البدائل لن يكون سريعاً، إذ تحتاج المناجم ومصانع المعالجة وسلاسل التصنيع إلى سنوات من الاستثمارات والتطوير.
الخطر الأكبر ليس المعادن.. بل دوامة التصعيد
تخلص الدراسة إلى أن الرواية التي تصور هيمنة الصين على المعادن الأرضية النادرة باعتبارها نتيجة مؤامرة استراتيجية عمرها عقود لا تعكس الصورة كاملة.
فالهيمنة الصينية نشأت من تفاعل طويل بين التنمية الصناعية، ورغبة بكين في حماية مواردها، وفشل المنافسين الأجانب في الحفاظ على قدراتهم الإنتاجية، ثم جاءت التوترات الجيوسياسية لتمنح هذه الهيمنة قيمة استراتيجية لم تكن واضحة في البداية.
لكن المشكلة اليوم تتمثل في أن الولايات المتحدة والصين بدأتا تنظران إلى سلاسل الإمداد باعتبارها ساحات للصراع الأمني.
كل خطوة تتخذها واشنطن لتقليل اعتمادها على الصين يمكن أن تُفسر في بكين باعتبارها تهديداً، فترد الصين بإجراءات جديدة، ما يدفع واشنطن إلى مزيد من القيود.
وهكذا تتحول إجراءات الدفاع الاقتصادي إلى حلقة تصعيد متبادل.
نحو توازن بين تقليل المخاطر والحفاظ على التجارة
لا يعني تقليل الاعتماد على الصين ضرورة قطع العلاقات الاقتصادية معها بالكامل.
فالهدف الأكثر واقعية هو تنويع مصادر الإمداد، وتطوير قدرات بديلة، وتقليل نقاط الاختناق، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدر من التجارة والاستثمار المتبادل.
وتشير الدراسة إلى أن بناء بدائل موثوقة حتى لو كانت محدودة قد يكون كافياً لتقليص قدرة الصين على ممارسة ضغوط اقتصادية مفرطة.
وفي المقابل، فإن السعي إلى فك الارتباط الكامل قد يخلق أضراراً اقتصادية هائلة ويزيد من احتمالات الصدام بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
وفي النهاية، تكمن المفارقة في أن العنصر الذي جعل المعادن الأرضية النادرة سلاحاً للصين هو نفسه الذي قد يحد من قدرتها على استخدامه: الاعتماد المتبادل.
فكلما أصبحت الصين أكثر قدرة على التحكم في الإمدادات، زادت رغبة خصومها في بناء بدائل، وكلما توسعت الولايات المتحدة في فرض القيود على التكنولوجيا والموارد الصينية، زادت حوافز بكين لتطوير منظومة اقتصادية وتقنية مستقلة.
ومن ثم، فإن مستقبل هذه الحرب لن تحدده كمية المعادن الموجودة في المناجم الصينية وحدها، بل قدرة بكين وواشنطن على إدارة الاعتماد المتبادل دون تحويله إلى مواجهة اقتصادية شاملة.






