سماح شاهين- مصدر الإخبارية
سارعت بسمة أبو غبن إلى أخذ الطائرة الورقية من طفلها محمد، البالغ من العمر 10 أعوام، بعدما سمعت التهديدات التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن في حكومته يسرائيل كاتس بشأن استهداف مطلقي الطائرات الورقية من قطاع غزة.
لم تنظر بسمة إلى الطائرة الورقية باعتبارها لعبة عادية هذه المرة، بل شعرت بالخوف على أطفالها، بعدما تحولت لعبة طالما ارتبطت بطفولة أطفال غزة إلى موضوع تهديدات عسكرية إسرائيلية.
وتقول بسمة إنها لم تستطع تجاهل تلك التهديدات، معتبرة أن صدورها عن أعلى المستويات السياسية والعسكرية في دولة الاحتلال يجعلها تأخذها على محمل الجد، خصوصًا في ظل واقع يعيشه أطفال القطاع منذ سنوات، حيث تحولت أبسط تفاصيل حياتهم إلى مصادر للخوف والقلق.
وتتساءل بسمة باستغراب: كيف يمكن لطائرة مصنوعة من قطعة نايلون وأوراق وخيط أن تتحول إلى "تهديد أمني" يستدعي التهديد باستهداف من يطلقها؟.
وتوضح لـ"شبكة مصدر الإخبارية" أن خوفها دفعها إلى انتزاع الطائرة من يد طفلها، قبل أن تشرح له ولإخوته مخاطر الاستمرار في اللعب بها، رغم أنها لعبة شعبية قديمة اعتاد أطفال غزة صناعتها بأيديهم وتحليقها في السماء.
بالنسبة لمحمد وأقرانه، لم تكن الطائرة الورقية يومًا وسيلة للمواجهة أو أداة عسكرية، بل كانت واحدة من الألعاب القليلة التي يستطيع الأطفال صنعها بأنفسهم في ظل ندرة الألعاب والدمار الذي طال مساحات واسعة من قطاع غزة.
فمع استمرار الحرب وتدمير المنازل والمحال التجارية، تقلصت المساحات المتاحة أمام الأطفال للعب، وباتت الألعاب التي كانت متاحة قبل الحرب نادرة أو باهظة الثمن بالنسبة إلى كثير من العائلات، لذلك لجأ الأطفال إلى ما يمكنهم العثور عليه من مواد بسيطة، مثل الورق والنايلون والخيوط، لصناعة ألعابهم بأنفسهم.
وتقول بسمة إن أطفالها لم يعودوا قادرين على ممارسة لعبتهم المفضلة بحرية، بعدما أصبحوا ينظرون إلى السماء بقلق، ويتساءلون إن كانت طائرة ورقية يمكن أن تجعلهم هدفًا.
وتضيف أن أكثر ما يؤلمها هو أن أطفال غزة لم يعد لديهم الكثير من الخيارات للعب، فالألعاب التي يصنعونها بأيديهم هي المتنفس الوحيد لهم وسط ظروف قاسية، بينما شراء ألعاب جديدة أصبح أمرًا يفوق قدرة كثير من الأسر.
وبالنسبة للأمهات، لا يتعلق الأمر بالطائرة الورقية نفسها، وإنما بالخوف من أن يدفع الأطفال ثمن تهديدات لا يفهمون أسبابها، فمحمد، الذي يبلغ من العمر عشر سنوات، لا يرى في طائرته أكثر من لعبة صنعها بيديه، لكنه بات مضطرًا إلى التخلي عنها لأن والدته تخشى أن تتحول لحظة لعب إلى خطر حقيقي.
وهكذا يجد أطفال غزة أنفسهم مرة أخرى أمام واقع تُنتزع فيه تفاصيل طفولتهم واحدة تلو الأخرى؛ فحتى لعبة بسيطة مصنوعة من الورق والنايلون والخيط لم تعد بمنأى عن الخوف، في وقت يحاول فيه الأطفال البحث عن أي مساحة صغيرة للفرح وسط الحرب والحصار والدمار.
من لعبة إلى قضية أمنية
ومع انتشار التهديدات الإسرائيلية، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للأهالي إلى منع أطفالهم من إطلاق الطائرات الورقية خشية تعرّضهم للاستهداف، فيما ذهب آخرون إلى السخرية من تحويل لعبة بسيطة اعتاد أطفال غزة ممارستها إلى قضية أمنية تستدعي التهديدات العسكرية والإخلاء والاغتيال.
وفي حي الزيتون شرق مدينة غزة، بالقرب من الخط الأصفر، لم يتعامل محمد عاشور مع هذه التهديدات باعتبارها مجرد تصريحات عابرة فالأب الذي يخشى على حياة أطفاله الثلاثة، جمع الطائرات الورقية التي كانوا يحتفظون بها، قبل أن يقوم بتكسيرها وإتلافها، في محاولة لإبعادهم عن أي خطر قد تسببه هذه اللعبة في ظل التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة.
لكن قرار الأب لم يمرّ بسهولة على أطفاله فما إن رأوا طائراتهم الورقية تتحطم أمام أعينهم، حتى انهمرت دموعهم وارتفعت أصواتهم بالبكاء والصراخ، ليس فقط حزنًا على لعبة فقدوها، وإنما لأن واحدة من المساحات القليلة التي يجدون فيها شيئًا من الترفيه وسط واقع الحرب والنزوح والخوف باتت ممنوعة عليهم.
يقول عاشور لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن أطفاله لم يعودوا يطلبون الكثير؛ فكل ما يريدونه هو مساحة صغيرة للعب، وطائرة ورقية يصنعونها مما يتوفر لديهم من ورق وأكياس وأعواد بسيطة، لكن التهديدات الإسرائيلية جعلته مضطرًا إلى حرمانهم منها خوفًا على حياتهم.
ويضيف أن ما يحدث "لا يقبله العقل"، متسائلًا كيف يمكن أن تتحول طائرة ورقية يصنعها طفل إلى سبب للخوف والتهديد، وكيف أصبح على الأهالي أن يراقبوا ألعاب أطفالهم وأن يفكروا في كل ما يفعلونه خشية أن يعرّضهم ذلك للاستهداف.
وبالنسبة لعاشور، لم تعد مسؤولية حماية أطفاله تقتصر على إبعادهم عن أماكن القصف أو تنبيههم إلى مخاطر الاقتراب من المناطق المكشوفة، بل بات عليه أن يراقب حتى لحظات لعبهم، وأن يتدخل في تفاصيل طفولتهم التي يفترض أن تكون بعيدة عن الحسابات العسكرية.
ويقول إن الأطفال في غزة يعيشون اليوم "مراقبة جديدة"، إذ لم يعد الخوف مرتبطًا فقط بالقصف أو أصوات الطائرات، وإنما امتد إلى ألعابهم وأحلامهم وطرق تسليتهم، فيما يجد الآباء أنفسهم أمام قرارات مؤلمة إما أن يتركوا أطفالهم يعيشون لحظات قليلة من الطفولة، أو يمنعوهم منها خوفًا من أن تتحول تلك اللحظات إلى خطر يهدد حياتهم.
لعبة تكلفهم حياتهم
في أحد أحياء مدينة غزة، يجتمع الطفل سعيد المبيض، البالغ من العمر 15 عامًا، مع عدد من أصدقائه لتصنيع الطائرات الورقية، قبل أن يخرجوا بها إلى الأماكن المفتوحة في ساعات المساء، محاولين اقتناص لحظات قليلة من الترفيه وسط واقع الحرب والدمار الذي يحيط بهم من كل جانب.
بالنسبة لسعيد وأصدقائه، لا تتجاوز الطائرة الورقية كونها لعبة بسيطة يصنعونها مما يتوفر لهم من مواد، قبل أن يطلقوها في السماء ويتابعوا حركتها لساعات.
وأحيانًا يتولى سعيد بنفسه تصنيع الطائرات الورقية وبيع الواحدة منها للأطفال مقابل ثلاثة شواكل، في محاولة لتوفير وسيلة ترفيه بسيطة لأقرانه، وتحويل اللعبة إلى مصدر دخل محدود في الوقت نفسه.
لكن التهديدات الإسرائيلية الأخيرة تجاه مطلقي الطائرات الورقية غيّرت نظرة سعيد إلى اللعبة التي اعتاد ممارستها.
يقول لـ"مصدر الإخبارية" إن الأمر بدا له في البداية مبالغًا فيه، ولم يتعامل مع التحذيرات بجدية، إذ لم يستطع أن يفهم كيف يمكن لطائرة مصنوعة من النايلون والخيوط أن تمثل خطرًا أمنيًا يستدعي كل هذا التهديد.
ويشير سعيد إلى أنهم "لم يحملوا سلاحًا"، وإنما يحملون قطعًا من النايلون والخيوط ويستخدمونها للترفيه عن أنفسهم، متسائلًا عن طبيعة الخطر الذي يمكن أن يشكله أطفال في الخامسة عشرة من العمر وهم يلهون بالطائرات الورقية في سماء غزة.
لكن مع تكرار التحذيرات من الكبار في المخيم، بدأ سعيد يتراجع عن ممارسة اللعبة، مشيرًا إلى أن البالغين من حوله حذروه من الاستمرار في إطلاق الطائرات الورقية، وحمّلوه مسؤولية أي استهداف إسرائيلي قد يتعرض له أو لأصدقائه، وهو ما جعله يشعر للمرة الأولى بأن لعبة اعتاد ممارستها قد تتحول إلى مصدر خطر حقيقي على حياته.
ويؤكد أن القرار لم يكن سهلًا عليه، فالطائرة الورقية بالنسبة له ليست مجرد لعبة، بل واحدة من الوسائل القليلة التي يستطيع من خلالها هو وأصدقاؤه الهروب ولو لساعات من أجواء الحرب، والضحك واللعب مثل أي أطفال في العالم.
ويضيف أن أطفال غزة لم يختاروا الحرب ولا يعيشون فيها بإرادتهم، وأنهم يحاولون فقط البحث عن مساحة صغيرة للفرح وسط ظروف قاسية حرمتهم من كثير من تفاصيل طفولتهم.
ويختصر سعيد شعوره بالقول إنهم أطفال، ومن حقهم أن يعيشوا مثل أطفال العالم، بحرية وأمان، وأن يجدوا مساحة للعب دون أن يتحول ما يحملونه في أيديهم إلى سبب للخوف أو التهديد.
ومع استمرار التهديدات، يجد سعيد وأصدقاؤه أنفسهم أمام مفارقة قاسية، فحتى لعبة بسيطة تحتاج اليوم إلى حسابات تتعلق بالأمان والخطر، فيما بات الطفل الذي اعتاد النظر إلى السماء بحثًا عن طائرته الورقية، ينظر إليها أيضًا بقلق، متسائلًا إن كانت لحظة الترفيه التي يبحث عنها قد تكلفه حياته.
وكانت سماء غزة تشهد مشهدًا مختلفًا ففي عام 2011، شارك نحو 13 ألف طفل في فعالية نظمتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" لإطلاق آلاف الطائرات الورقية في وقت واحد، في محاولة لتحطيم الرقم القياسي العالمي لأكبر عدد من الطائرات الورقية المحلقة معًا.
على شاطئ غزة آنذاك، امتلأت السماء بألوان الطائرات الورقية، بينما ركض الأطفال على الرمال وهم يتنافسون على إطلاقها والتحكم بحركتها، في مشهد احتفى باللعب والطفولة وأعطى الأطفال مساحة للفرح الجماعي.
اليوم، تبدّل المشهد بصورة جذرية فالطائرات الورقية لم تعد تحلق من شاطئ مكتظ بالأطفال في فعالية كبيرة، وإنما تظهر في سماء مخيمات النزوح وبين الخيام والمساحات الضيقة، حيث يحاول الأطفال انتزاع لحظات قليلة من اللعب وسط الركام وظروف الحياة القاسية.
وبينما كانت الطائرات الورقية قبل سنوات رمزًا لفعالية تجمع آلاف الأطفال وتلفت أنظار العالم، أصبحت اليوم بالنسبة لأطفال غزة وسيلة بسيطة للهروب من واقع الحرب، وفرصة لاستعادة شيء من طفولتهم التي أثقلتها مشاهد القصف والنزوح والفقد.
غير أن هذه المساحة الصغيرة للترفيه باتت مهددة هي الأخرى، بعدما تحولت الطائرات الورقية إلى موضع تهديدات إسرائيلية، ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا أكثر قسوة، كيف يمكن لطفل يعيش وسط الحرب أن يجد مساحة آمنة حتى للعب؟.







