تل أبيب - أعلنت إسرائيل، اليوم الاثنين، العثور على الهيكل الكامل للسفينة «ألتلينا» في قاع البحر قبالة سواحلها، وذلك بعد نحو 78 عاماً على إغراقها خلال واحدة من أكثر المواجهات حساسية في تاريخ الدولة الإسرائيلية الناشئة.
وقالت السلطات الإسرائيلية إن هيكل السفينة عُثر عليه خلال الليلة الماضية على عمق 503 أمتار، وعلى مسافة تقارب 20 كيلومتراً من الشواطئ الإسرائيلية، باستخدام مجسات ومعدات إلكترونية متطورة.
ويعيد اكتشاف السفينة إلى الواجهة قضية «ألتلينا»، التي تحولت على مدى عقود إلى رمز للخلافات السياسية والعسكرية داخل الحركة الصهيونية، ولاحقاً إلى موضوع دائم في السجال بين اليمين واليسار في إسرائيل.
سفينة أسلحة وصلت من فرنسا عام 1948
كانت «ألتلينا» سفينة نقل أبحرت من فرنسا إلى فلسطين في يونيو/حزيران 1948، في الأسابيع الأولى من قيام إسرائيل، وكانت تابعة لمنظمة «إيتسل» التي كان يقودها مناحيم بيغن، زعيم حزب حيروت لاحقاً ورئيس الحكومة الإسرائيلية في الثمانينيات.
وحملت السفينة شحنة من الأسلحة، إلى جانب مهاجرين يهود، فيما جاء اسمها المستعار نسبة إلى الاسم الذي كان زئيف جابوتنسكي، مؤسس الحركة التنقيحية الصهيونية، يستخدمه في توقيع مقالاته.
وعند وصول السفينة، طالب الجيش الإسرائيلي، الذي كان قد تشكل حديثاً، منظمة «إيتسل» بتسليم الأسلحة الموجودة على متنها، إلا أن المنظمة رفضت ذلك، ما أدى إلى اندلاع مواجهة مسلحة بين الطرفين.
ورست السفينة قبالة شاطئ تل أبيب، قبل أن تتصاعد المواجهة بين قوات الجيش وأفراد «إيتسل». وأصيب موقع السفينة بقصف مدفعي أدى إلى اندلاع النيران فيها، في حادثة أصبحت لاحقاً تُعرف باسم «قضية ألتلينا».
مقتل 19 شخصاً وإغراق السفينة
أسفرت المواجهة عن مقتل 3 جنود إسرائيليين و16 من عناصر إيتسل، فيما استولى الجيش الإسرائيلي على معظم الأسلحة التي كانت على متن السفينة.
وفي يوليو/تموز 1949، أصدر رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك دافيد بن غوريون أمراً بإغراق السفينة، في خطوة هدفت، وفق الرواية المتداولة، إلى منع تحولها إلى رمز أو مزار لأنصار «إيتسل».
واستغرقت عملية إغراقها قرابة أربعة أشهر، قبل أن تستقر السفينة في قاع البحر، حيث بقيت لعقود من دون أن يُعثر على هيكلها كاملاً.
«ألتلينا» في قلب السجال السياسي الإسرائيلي
لم تتوقف تداعيات حادثة «ألتلينا» عند حدود المواجهة العسكرية، بل تحولت القضية إلى أحد الرموز التاريخية للصراع السياسي بين التيارات الإسرائيلية.
ومع صعود حزب الليكود إلى السلطة، أصبحت ذكرى إغراق السفينة مناسبة لإحياء ذكرى عناصر «إيتسل» الذين قتلوا خلال المواجهة، كما تحولت مراسم إحياء الذكرى إلى مساحة للسجال بين اليمين وحزب العمل والتيارات المرتبطة به.
ويكرر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في مناسبات إحياء ذكرى «ألتلينا»، موقفاً مفاده أن عدم إغراق السفينة كان من الممكن أن يؤدي إلى إنهاء حرب 1948 بصورة أسرع وبشروط أفضل لإسرائيل.
في المقابل، لا تزال الحادثة مرتبطة بشخصية يتسحاق رابين، الذي كان آنذاك من قادة القوات التي واجهت «إيتسل»، وأصبحت «ألتلينا» لاحقاً جزءاً من السجال الذي سبق اغتياله عام 1995.
محاولة إعادة تقديم الرواية التاريخية
وتواصلت في السنوات الأخيرة محاولات اليمين الإسرائيلي إعادة تقديم قضية «ألتلينا» ضمن سردية سياسية مختلفة.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس مؤخراً أنه أصدر توجيهات بنقل المدفع الذي استخدم في قصف السفينة من كلية عسكرية في تل أبيب إلى «مركز تراث بيغن» في القدس.
وقال كاتس إن الخطوة تهدف إلى «تصحيح حقيقة تاريخية» وإبراز ما وصفه بـ«المعنى الحقيقي» للحدث.
ويمنح العثور على هيكل «ألتلينا» كاملاً في أعماق البحر القضية بعداً جديداً، إذ يتيح اكتشاف السفينة نفسها إعادة فتح باب البحث التاريخي والأثري حول تفاصيل المواجهة، في وقت لا تزال فيه الحادثة حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية الإسرائيلية.







