وكالات - عادت بتكوين إلى دائرة اهتمام المستثمرين بعد موجة صعود قوية دفعتها مجدداً نحو مستوى 80 ألف دولار، في تحول أعاد التفاؤل إلى سوق العملات المشفرة بعد أشهر من التداول الضعيف والتراجع التدريجي.
وجاءت القفزة الأخيرة مدفوعة بمجموعة من العوامل، في مقدمتها التطورات في سوق السندات الأميركية، وتراجع عوائد سندات الخزانة والدولار، إلى جانب عودة التدفقات إلى صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة ببتكوين وتصفية عدد كبير من مراكز البيع على المكشوف.
وأعاد الصعود إحياء الرهانات على ما يعرف بـ"صفقة تراجع قيمة العملة"، والتي تقوم على أن الضغوط المالية والسياسات النقدية والمالية الأكثر تيسيراً قد تدفع المستثمرين نحو الأصول النادرة، ومن بينها بتكوين والذهب، باعتبارها أدوات للتحوط من تآكل قيمة العملات.
السندات والدولار يشعلان موجة جديدة
كانت تحركات سوق السندات أحد أبرز المحركات وراء الموجة الأخيرة، بعدما أدت خطة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لمضاعفة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل، على الأقل في المرحلة الأولى، إلى انخفاض العوائد وتراجع الدولار، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الذهب.
وأعادت هذه التطورات جذب المستثمرين إلى الأصول المشفرة، خصوصاً مع تزايد الرهانات على أن الظروف المالية الأكثر مرونة قد تدعم الأصول البديلة خارج النظام النقدي التقليدي.
ولم يقتصر التفاؤل على المستثمرين المتخصصين في العملات المشفرة؛ إذ أبدى المستثمر المعروف راي داليو اهتماماً ببتكوين في سياق تحذيراته من مستويات الدين المرتفعة وغير المستدامة.
وقالت نويل أتشيسون، مؤلفة نشرة "كريبتو إز ماكرو ناو"، إن ظهور مؤشرات على عودة الحياة إلى سوق العملات المشفرة يمثل تطوراً لافتاً، معتبرة أن الصعود الحالي يبدو أكثر قوة من موجات الانتعاش المحدودة التي شهدتها السوق خلال الأشهر الماضية.
تصفية المراكز القصيرة تعزز الصعود
ساهمت حركة الأسعار نفسها في تسريع المكاسب، بعدما أجبرت القفزة الحادة في بتكوين المتداولين الذين راهنوا على انخفاضها على إغلاق مراكزهم، ما أدى إلى مزيد من الطلب ودفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
كما سجلت صناديق الاستثمار المتداولة الفورية لبتكوين تدفقات جديدة، بالتزامن مع ارتفاع أسهم الشركات المرتبطة بالعملات المشفرة وشركات خزائن الأصول الرقمية.
ويؤدي ارتفاع أسعار بتكوين إلى تعزيز قدرة بعض هذه الشركات على جمع التمويل وشراء المزيد من العملة، وهو ما يمكن أن يخلق حلقة صعودية إذا استمر الطلب الاستثماري.
وفي الأسبوع الماضي، ظهرت مؤشرات على إمكانية عودة هذه الآلية، مع تسجيل موجة كبيرة من تصفية المراكز الهبوطية وارتفاع أحجام التداول الفوري وعودة التدفقات إلى صناديق بتكوين المتداولة.
دعم سياسي وتشريعي للعملات المشفرة
وتلقى سوق العملات المشفرة دعماً إضافياً من التطورات السياسية في الولايات المتحدة، مع تجدد ضغوط الرئيس دونالد ترمب على الكونغرس لتمرير قانون "كلاريتي" المتعلق بتنظيم سوق الأصول المشفرة.
ويرى محللون أن وضوح الإطار التنظيمي يمكن أن يقلص علاوة المخاطر التي تواجه المستثمرين والمؤسسات، ويشجع مزيداً من المؤسسات المالية على زيادة انكشافها على سوق العملات المشفرة.
وقالت لاسي تشانغ، محللة الأبحاث لدى "بيت غيت واليت"، إن تراجع المخاطر التنظيمية يمكن أن يسهل على المؤسسات تقييم المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الأصول المشفرة.
مؤشرات فنية تعزز التفاؤل
فنياً، اخترقت بتكوين متوسطاتها المتحركة لـ100 يوم و200 يوم، وهما من المؤشرات التي تحظى بمتابعة واسعة في الأسواق، بينما وصل مؤشر القوة النسبية لـ14 يوماً إلى مستويات تشير إلى حالة من التشبع الشرائي.
ويرى جيفري كندريك، من "ستاندرد تشارترد"، أن قوة الصعود الحالية يمكن أن تتحول إلى عامل يدعم مزيداً من المكاسب، خصوصاً في ظل عمليات التصفية الكبيرة للمراكز القصيرة وتدفقات تجاوزت مليار دولار أسبوعياً إلى صناديق بتكوين الفورية.
ويعتقد كندريك أن قوة الأسعار قد تجذب مزيداً من الأموال إلى السوق، وربما تعيد المتداولين الذين يعتمدون على الاقتراض إلى نشاطهم.
كما يرى أن توقع وصول بتكوين إلى 100 ألف دولار بنهاية العام قد يكون متحفظاً، مع إمكانية اختبار المستوى القياسي السابق البالغ نحو 126 ألف دولار قبل نهاية العام، إذا استمر الزخم.
الطلب المستدام.. الاختبار الأصعب
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يعني الصعود الأخير بالضرورة أن بتكوين دخلت موجة ارتفاع طويلة الأمد.
فالقفزة الأخيرة استفادت بدرجة كبيرة من عمليات تغطية المراكز القصيرة، بينما لا يزال عدد من مستثمري صناديق الاستثمار المتداولة يسجل خسائر، كما أن شركات خزائن الأصول الرقمية لم تستعد القوة التي كانت تتمتع بها خلال موجات الصعود السابقة.
وتواجه بتكوين أيضاً مشكلة تكررت خلال العام الحالي، إذ شهدت عدة محاولات للارتفاع قبل أن تفقد زخمها بسبب عدم دخول مشترين جدد بأعداد كافية إلى السوق.
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي أمام بتكوين لا يتمثل في استمرار تصفية المراكز القصيرة، بل في قدرة السوق على جذب طلب مستدام من مستثمرين جدد.
وقال تاناي فيد، كبير المحللين لدى "تالوس"، إن بعض المؤشرات الحالية تبدو مشجعة، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار تزامن مع ظهور عمليات شراء جديدة، بدلاً من اقتصار النشاط على إغلاق المتداولين لمراكز البيع على المكشوف.
وبذلك، تقف بتكوين أمام مفترق طرق: فإما أن تتحول موجة التصفية والطلب الجديد إلى دورة صعود مستدامة، أو أن يتكرر سيناريو الارتدادات السابقة التي سرعان ما فقدت قوتها عند غياب تدفقات شراء كافية.







