متابعات - حذرت منظمة أطباء بلا حدود من تفاقم الاحتياجات الصحية والجسدية والنفسية للفلسطينيين في الضفة الغربية، ولا سيما في محافظة الخليل، في ظل تصاعد الهجمات والقيود المفروضة على الحركة وتراجع القدرة على الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية.
وقالت المنظمة إن العنف المتكرر، بما في ذلك الهجمات التي تنسبها إلى القوات الإسرائيلية والمستوطنين، إلى جانب التهجير وتدهور الظروف المعيشية والقيود على التنقل، باتت عوامل تؤثر بصورة مباشرة في صحة السكان وقدرتهم على الوصول إلى العلاج.
ارتفاع الاحتياجات النفسية في الخليل
وأوضحت أطباء بلا حدود أن آثار العنف لا تقتصر على الإصابات الجسدية، بل تمتد بصورة متزايدة إلى الصحة النفسية للسكان.
وبحسب بيانات المنظمة، تراوحت نسبة الاستشارات النفسية التي قدمتها فرقها عقب حوادث عنف متعمد، منذ مارس/آذار، بين 17 و38 بالمئة من إجمالي الاستشارات النفسية، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 13 بالمئة في بداية العام.
وبين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز، قدمت فرق المنظمة أكثر من 1,930 استشارة فردية في مجال الصحة النفسية، إضافة إلى 436 جلسة علاج جماعي من خلال العيادات المتنقلة وغرفة استشارات ثابتة.
كما تلقت فرق المنظمة في الخليل خلال الفترة نفسها نحو 170 بلاغًا بشأن حوادث شملت هدم منازل وإصابات وهجمات على أنظمة المياه والصرف الصحي، ونفذت 27 استجابة سريعة تضمنت، بحسب الحاجة، تقديم الدعم النفسي أو توزيع مستلزمات أساسية مثل الفرشات والشوادر.
شهادات عن الخوف والهجمات
ونقلت المنظمة شهادة إسماعيل إبراهيم، وهو مريض لديها من منطقة خارج مدينة يطّا في محافظة الخليل، قال إنه تعرض للهجوم ثلاث مرات خلال الأشهر الماضية.
وذكر إبراهيم أن مستوطنين استخدموا رذاذ الفلفل بحقه أثناء عمله في أرض زراعية تملكها عائلته، كما أطلقوا حيوانات للرعي بين أشجار الزيتون، ما تسبب، وفق روايته، في إتلاف الأشجار والأرض.
وأضاف أنه في حادثة أخرى تعرضت حظيرة عائلته للاقتحام ليلًا، وسُرقت نحو 200 غنمة، مشيرًا إلى أن العائلة لم تتمكن من استعادة سوى عدد قليل منها.
وقالت المنظمة إن مثل هذه الحوادث تزيد الضغط النفسي على السكان، وتدفع مزيدًا منهم إلى طلب خدمات الدعم النفسي.
77 قتيلًا فلسطينيًا في الضفة الغربية خلال 2026
وتشير أطباء بلا حدود، نقلاً عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى مقتل ما لا يقل عن 77 فلسطينيًا في الضفة الغربية خلال عام 2026 على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين، بحسب البيانات التي يستند إليها تقرير المنظمة.
وتقول أطباء بلا حدود إن هذا العدد تجاوز إجمالي الفلسطينيين الذين قتلوا في الضفة الغربية خلال عام 2025 بأكمله.
وترى المنظمة أن تصاعد العنف انعكس بصورة واضحة على طبيعة الاحتياجات الطبية والنفسية التي تواجهها فرقها في محافظة الخليل والمناطق المحيطة بها.
أكثر من 7500 استشارة طبية خلال سبعة أشهر
وفي الجانب الطبي، قالت أطباء بلا حدود إنها أجرت بين يناير ويوليو أكثر من 7,595 استشارة خارجية في الخليل، بينها 1,910 استشارات في مجال الصحة الجنسية والإنجابية.
وبعد زيادة عدد العيادات المتنقلة من خمس إلى ثماني عيادات خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز، قدمت فرق المنظمة 1,450 استشارة في يونيو و1,397 استشارة في يوليو.
وأشارت إلى أن هذه الأرقام تمثل أعلى معدلات للاستشارات الشهرية التي سجلتها فرقها في الخليل خلال عام 2026، بزيادة بلغت نحو 26 بالمئة مقارنة بالشهرين السابقين.
وشملت أبرز الحالات التي عالجتها الفرق الأمراض النسائية، والأمراض غير المعدية، والتهابات الجهاز التنفسي العلوي، وأمراض العيون.
نقص الأدوية والعاملين يفاقم الأزمة
إلى جانب العنف والقيود على الحركة، تحدثت المنظمة عن ضغوط متزايدة على نظام الرعاية الصحية الفلسطيني.
وقال محمد الحروب، المنسق الطبي المساعد لأطباء بلا حدود في الخليل، إن الطلب على خدمات المنظمة ارتفع بسبب الصعوبات الاقتصادية التي تجعل كثيرًا من السكان غير قادرين على تحمل تكاليف العلاج في القطاع الصحي الخاص.
وأضاف أن نقص العاملين الصحيين والأدوية أدى إلى زيادة الأعباء على الخدمات المتاحة، مشيرًا إلى أن بعض المرضى أبلغوا فرق المنظمة عن بقائهم عدة أيام من دون الحصول على الأدوية التي يحتاجون إليها.
كما قالت المنظمة إن القيود المفروضة على الحركة، بما في ذلك نقاط التفتيش وإغلاق الطرق، تزيد صعوبة وصول المرضى إلى مرافق الرعاية الصحية.
عيادات جديدة للتعامل مع القيود
وأوضحت أطباء بلا حدود أنها اضطرت خلال الربع الأول من العام إلى تقليص أكثر من نصف أنشطتها المتنقلة، في ظل إجراءات مرتبطة بإلغاء تسجيل المنظمة لدى السلطات الإسرائيلية، بحسب روايتها.
وقالت إن هذه القيود أثرت في قدرتها على الوصول إلى مناطق، من بينها أجزاء من مدينة الخليل ومناطق في تلال مسافر يطّا، وهي مناطق تقول إنها من الأكثر تعرضًا للعنف والهجمات.
ولتجاوز بعض هذه العقبات، أنشأت المنظمة عيادات جديدة بالقرب من حدود المنطقة «ج»، بهدف مواصلة تقديم الخدمات للسكان الذين لم يعد بإمكان فرقها الوصول إليهم مباشرة.
مخاوف من استمرار القيود
وتقول إليزا التميمي، مسؤولة الشؤون الإنسانية مع أطباء بلا حدود في الخليل، إن فرق المنظمة تواجه حالة من عدم اليقين بشأن قدرتها على الوصول إلى العيادات والمناطق المستهدفة، بسبب التغير المستمر في الظروف الميدانية.
وأضافت أن بعض المناطق تخضع أحيانًا لإغلاق كامل لمدة يوم أو يومين أو حتى أسبوع، الأمر الذي ينعكس على حياة السكان وقدرتهم على العمل والحصول على الخدمات الأساسية.
من جهته، دعا رئيس بعثة أطباء بلا حدود في فلسطين، جوان توبو، السلطات الإسرائيلية إلى وقف الإجراءات التي تؤدي، بحسب المنظمة، إلى تهجير الفلسطينيين، وضمان وصولهم دون عوائق إلى الرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية، إلى جانب حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي.
وتختصر شهادة عائشة، وهي مريضة لدى أطباء بلا حدود من قرية قرب يطّا، جانبًا من التداعيات اليومية للأوضاع الأمنية، إذ قالت إن هجمات المستوطنين جعلتها تشعر بالخوف بصورة مستمرة، وإن أفراد أسرتها بالكاد ينامون خشية تعرضهم لهجمات.
وتقول أطباء بلا حدود إن استمرار العنف والقيود لا يزيد فقط الحاجة إلى العلاج، بل يهدد قدرة السكان على الوصول إليه، في وقت تتزايد فيه الضغوط على النظام الصحي الفلسطيني وتضطر المنظمات الإنسانية إلى تعديل أساليب عملها للوصول إلى المناطق الأكثر احتياجًا.







