د. خالد موسي - مصدر الإخبارية
كلما طرحت فكرة تحالف انتخابي جديد في الساحة الفلسطينية، انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، واتجهت الأنظار مباشرة إلى تاريخ العلاقة بين أطرافه، وعادت الخلافات القديمة إلى واجهة النقاش، وكأن الماضي وحده يملك حق تقرير المستقبل، ففي كثير من الأحيان ينشغل الجدل بمن تحالف مع من ولماذا، بينما يتراجع الحديث عن الهدف الحقيقي من التحالف وقدرته على تقديم مخرج لحالة الجمود التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني منذ سنوات.
ولعل ذلك يعود إلى ما تركه الانقسام الفلسطيني من آثار عميقة في الوعي الوطني، الأمر الذي يجعل أي حديث عن تحالفات جديدة يقابل بشيء من الحذر، غير أن احترام هذه المخاوف لا يعني التوقف عن التفكير في خيارات مختلفة ولا يعني أن يبقى الواقع القائم قدرا لا يمكن تجاوزه، فالمستقبل لا يبنى بإنكار الماضي ولا بالبقاء أسيرا له، وإنما بالاستفادة من دروسه والانطلاق نحو حلول جديدة.
الراسخ ان أي تحالف انتخابي في جوهره ليس اندماجا سياسيا ولا يعني ذوبان طرف في آخر ولا تخلي أي قوة عن هويتها أو برنامجها السياسي، إنما هو اتفاق مرحلي على اهداف محددة وبرنامج انتخابي مشترك يحتفظ خلاله كل طرف باستقلاله السياسي والتنظيمي، لهذا فإن النظر إلى أي تحالف باعتباره تنازلا عن المبادئ أو إلغاء للفوارق بين اطرافه لا ينسجم مع طبيعة العمل السياسي ولا مع التجارب الديمقراطية التي عرفها العالم.
فالسياسة لا تقوم على صداقات دائمة ولا على خصومات دائمة، وإنما على السعي لتحقيق المصلحة العامة في ظل ظروف تتغير باستمرار، لهذا تتبدل التحالفات عندما تتغير الاولويات وتتعاون قوى اختلفت في مراحل سابقة إذا وجدت أن التعاون يفتح بابا لمعالجة أزمة أو يحقق مصلحة وطنية، وهذا بالمطلق لا يعني أن الخلافات انتهت أو أن الماضي قد محي، وإنما يعني أن المسؤولية السياسية تقتضي البحث عن أفضل الخيارات الممكنة في كل مرحلة.
ولهذا فمن الطبيعي أن تظهر أصوات تردد أن هذا ليس الطريق الصحيح أو ترفض أي تقارب مع خصوم الامس، أو ترى أن من أخطأ في الماضي لا ينبغي أن يكون شريكا في أي محاولة جديدة، وهذه المواقف تستحق الاحترام لأنها تعبر عن حرص مغلف مرات ببعض من الهوا السياسي، لكنها ليست الرؤية الوحيدة الممكنة، فالمعيار الاهم ينبغي أن يكون قدرة أي تحالف على خدمة المصلحة الوطنية لا مجرد طبيعة العلاقة التاريخية بين أطرافه.
كما أن التحالف الانتخابي لا يمنح أي طرف براءة من أخطاء الماضي ولا يطلب من الناس نسيان ما جرى، فالمحاسبة على التجارب السابقة تبقى حقا للمجتمع والتاريخ، أما التحالف فهو وسيلة لإدارة مرحلة سياسية محددة وفتح المجال أمام المواطنين لاختيار ممثليهم عبر صناديق الاقتراع، ومن هنا، فمن الخطأ الخلط بين المساءلة عن الماضي وبين البحث عن أدوات تعالج الحاضر وتصنع المستقبل، كما أنه ليس من الدقة النظر إلى إعادة تشكيل التحالفات باعتبارها أمرا استثنائيا أو مثيرا للريبة، فالتحالفات تتغير بتغير الظروف في مختلف الديمقراطيات، بينما يبقى الجمود هو الحالة غير الطبيعية، ولذلك فإن معيار نجاح أي تحالف لا يكمن في مجرد قيامه أو في هوية أطرافه، وإنما في وضوح أهدافه، وشفافية برنامجه، وقدرته على خدمة المصلحة العامة.
وفي الحالة الفلسطينية تبدو الحاجة إلى هذه الرؤية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، فاستمرار الانقسام والأوضاع الكارثية في قطاع غزة وكذلك الطروف الميدانية في الضفة الغربية والقدس واستمرار تعطل الانتخابات، كلها عوامل اضعفت ثقة المواطنين بالحياة السياسية، ومن هنا فإن التحالفات الواسعة يمكن أن تشكل فرصة لإعادة الاعتبار للعمل الديمقراطي وتوسيع دائرة المشاركة وإفساح المجال أمام الكفاءات والشخصيات الوطنية والمستقلة للمساهمة في بناء مؤسسات أكثر تمثيلا وحيوية.
ولا شك أن أي تحالف انتخابي سيواجه تحديات تتعلق بإدارة الاختلاف وصياغة برنامج مشترك، وهي تحديات تمثل جزءا طبيعيا من أي ممارسة ديمقراطية، وتبقى كلفتها أقل بكثير من كلفة استمرار الانقسام والجمود السياسي، وفي المقابل فإن قيمة أي تحالف لا تقاس بعدد أطرافه ولا بتاريخ الخلاف بينهم، وإنما بما يحققه على أرض الواقع، فإذا أسهم في تجديد الشرعيات، وتعزيز دور المؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية، وترسيخ ثقافة الشراكة والتنافس الديمقراطي، فإنه يكون قد أدى دورا وطنيا مهما، أما إذا اقتصر على تقاسم المواقع والمقاعد دون برنامج أو هدف وطني واضح، فإنه سيفقد مبرره ولن يحظى بثقة الناس.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون النقاش حول التحالفات الانتخابية نقاشا بين مؤيد ومعارض وإنما نقاشا حول أفضل السبل للخروج من الأزمة الفلسطينية، فما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس مزيدا من الانقسام ولا مزيدا من الاحكام المسبقة، وإنما رؤية سياسية تجمع بين التمسك بالثوابت والقدرة على بناء شراكات وطنية تخدم المصلحة العامة، فالتحالفات الانتخابية ليست غاية بحد ذاتها، وليست حلا سحريا لكل التحديات، لكنها قد تكون بداية مسار يعيد الحيوية إلى الحياة السياسية ويمنح الفلسطينيين فرصة لصياغة مستقبل يقوم على الشراكة والاحتكام إلى إرادة الشعب.







