واشنطن - تصاعدت الضغوط السياسية والنيابية على وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) للتحقيق في الأوضاع المعيشية والنفسية الآخذة في التدهور لآلاف البحارة على متن حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، وذلك على خلفية انتشار بحري طويل ومتواصل في منطقة الشرق الأوسط لدعم العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب على إيران.
وتعود تفاصيل الأزمة إلى مغادرة الحاملة ميناءها الأم في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حيث أمضت حتى الآن أكثر من 250 يوماً في تنفيذ مهمتها. ووفقاً للسيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال، فإن الحاملة سجلت أكثر من 200 يوم متتالية من الإبحار في عرض البحر دون القيام بأي توقف في الموانئ للاستراحة أو إعادة التزود، مما فرض ظروفاً استثنائية على طاقمها البالغ عدده أكثر من 5000 بحار وعنصر من مشاة البحرية (المارينز).
وفي رسالة رسمية وجهها بلومنتال إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث وقائد البحرية بالنيابة هانغ كاو، طالب المشرع الأمريكي بإجابات قاطعة بشأن ظروف الخدمة على متن الحاملة. وجاءت الرسالة في أعقاب تقارير كشفت عن نقص حاد في الاحتياجات الأساسية للطاقم، شملت أزمات في مياه الشرب وتلوثها، وأعطالاً متكررة في شبكات السباكة والمرافق الصحية، فضلاً عن انقطاع المياه الساخنة، ونقص بعض الوجبات، وتأخيرات واسعة في وصول البريد وطرود العائلات إلى الطاقم.
من جانبه، أكد النائب الديمقراطي مايك ليفين أنه تلقى شهادات مباشرة من عائلات أفراد الطاقم تثبت تعطل المرافق الصحية الأساسية وارتفاع حدة الإجهاد البدني والنفسي. ونقلت صحيفتا "ستارز آند سترايبس" و"نافي تايمز" إفادات من بحارة وذويهم تتحدث عن تقارير مقلقة حول تراجع المعنويات ووقائع مرتبطة بمحاولات إيذاء النفس أو القفز من على متن السفينة.
في المقابل، نفت القيادة البحرية الأمريكية رصد أي زيادة غير طبيعية في معدلات الأفكار أو المحاولات الانتحارية على متن الحاملة، مؤكدة نشر فرق متخصصة من أطباء ومعالجين نفسيين ومستشارين دينيين لمتابعة الأوضاع الميدانية والتعامل مع الحالات الحتمية. إلا أن هذه التأكيدات لم تخفف من حدة القلق؛ إذ شهدت مدينة سان دييغو اجتماعات ساخنة ضمّت نحو 200 من أفراد عائلات الطاقم مع مسؤولين كبار في البحرية، عبرت خلالها العائلات عن مخاوف عميقة بشأن سلامة ذويهم والتأثيرات التراكمية للضغوط النفسية.
وعلى الصعيد النيابي، أعلن النائب الديمقراطي سيث مولتون، العضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، أن اللجنة ستخضع هذه التقارير الميدانية لتدقيق ونظر رسمي، واصفاً الأنباء الواردة بأنها "تثير قلقاً بالغاً على مستوى القيادة". وفي رد رسمي، أقر نائب الأدميرال جوزيف كاهيل، قائد قوات السطح البحرية، بالتأثير المباشر والعميق لهذه المهام الطويلة على البحارة وعائلاتهم، مشيراً إلى أن القيادة تدرك التحديات التي تواجه القدرة على الحفاظ على جاهزية القوى البحرية على المدى الطويل.
ويرى خبراء وأوساط عسكرية أن أزمة "أبراهام لينكولن" تفتح ملفاً أوسع يتعلق بالقدرة التشغيلية للبحرية الأمريكية، خاصة بعد أن سجلت الحاملة "يو إس إس جيرالد آر. فورد" في وقت سابق من هذا العام واحدة من أطول مهام الانتشار منذ حرب فيتنام. وتحذر هذه الأوساط من أن الإصرار على الحفاظ على حضور بحري كثيف لفترات ممتدة دون جدولة واضحة لعمليات المداورة يخلق أزمة استبقاء حادة للكوادر في قطاع الطيران البحري ويزيد من إرهاق القوات.
وحتى اللحظة، يرفض المسؤولون العسكريون تحديد أي موعد رسمي لعودة "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى قاعدة سان دييغو، مكتفين بالاستناد إلى اعتبارات "الأمن العملياتي"، مما يترك النقاش مفتوحاً في واشنطن حول الكلفة الحقيقية للبقاء البحري الممتد من الناحيتين البشرية والعسكرية.






