خالد موسي - رئيس مجلس النقابات العمالية
يُعدّ سوق العمل الفلسطيني من أكثر القطاعات تأثرًا بالتطورات السياسية والاقتصادية، إذ يعاني منذ سنوات من اختلالات هيكلية ناجمة عن القيود المفروضة على الحركة والتجارة، وضعف الاستثمار، واعتماد جزء كبير من القوى العاملة، خاصة في الضفة الغربية، على العمل داخل إسرائيل. كما يواجه قطاع غزة تحديات مزمنة نتيجة الحصار وتراجع النشاط الاقتصادي، الأمر الذي انعكس على ارتفاع معدلات البطالة والفقر حتى قبل اندلاع الحرب. وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن معدل البطالة في الأراضي الفلسطينية كان من بين الأعلى عالميًا قبل الحرب، بينما بلغ معدل البطالة في قطاع غزة نحو 45% بنهاية عام 2022، مقارنة بنحو 13% في الضفة الغربية.
ومع اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهد سوق العمل الفلسطيني تدهورًا غير مسبوق. ففي قطاع غزة، أدى الدمار الواسع الذي طال المنشآت الصناعية والتجارية والبنية التحتية إلى توقف معظم الأنشطة الاقتصادية، وفقدان مئات الآلاف من فرص العمل. وقدّرت منظمة العمل الدولية أن أكثر من 500 ألف وظيفة فُقدت في الأراضي الفلسطينية خلال الأشهر الأولى من الحرب، منها نحو 200 ألف وظيفة في قطاع غزة وحده، وهو ما أدى إلى تجاوز معدل البطالة 50%، مع توقعات بوصوله إلى 57% إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
أما في الضفة الغربية، فقد أدى تعليق تصاريح العمل لعشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل، إلى جانب تشديد القيود على الحركة والإغلاق المتكرر، إلى انخفاض مستويات التشغيل والدخل. وتشير التقديرات إلى أن قرابة 200 ألف عامل فلسطيني كانوا يعتمدون على العمل داخل إسرائيل قبل الحرب، وأن وقف معظم هذه التصاريح تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة للأسر الفلسطينية، ورفع معدل البطالة إلى نحو 30% في بعض الفترات، مع استمرار تراجع النشاط الاقتصادي والاستثماري.
كما انعكست هذه التطورات بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية، حيث انخفضت القدرة الشرائية وارتفعت معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وأصبحت المساعدات الإنسانية مصدرًا رئيسيًا للدخل لعدد كبير من الأسر، خاصة في قطاع غزة. وتوضح منظمة العمل الدولية أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في فلسطين انخفض بنحو 29% بين الربع الأول من عام 2023 والربع الأول من عام 2025، بينما سجل اقتصاد قطاع غزة انهيارًا تجاوز 87% خلال الفترة نفسها، في حين انخفض متوسط دخل الفرد الحقيقي في الضفة الغربية بأكثر من 20% مقارنة بمستوياته قبل الحرب.
وتضررت فئة الشباب والخريجين بصورة خاصة، إذ تقلصت فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص، وأُجبرت العديد من المؤسسات على تقليص أعمالها أو إيقافها بالكامل، مما أدى إلى اتساع فجوة البطالة بين الشباب وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وفي ضوء هذه التحديات، فإن تحسين واقع العمالة الفلسطينية يتطلب تبني خطة متكاملة تشمل وقف التدهور الاقتصادي، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير برامج تشغيل مستدامة، إضافة إلى تعزيز الاستثمار المحلي والدولي، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتحسين مستويات الدخل وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني في مواجهة الأزمات.







