ترجمات - مصدر الإخبارية
كشف تحقيق نشرته صحيفة الغارديان البريطانية عن توسع ملحوظ في برامج "الحوار المدني" و"الخطاب عبر الاختلافات" داخل الجامعات الأميركية، في وقت تواجه فيه مؤسسات التعليم العالي انقسامات حادة بسبب الحرب في غزة وحرية التعبير والاستقطاب السياسي، مشيراً إلى أن هذه المبادرات تحظى بدعم مالي كبير من جهات محافظة ومنظمات مؤيدة لإسرائيل، الأمر الذي أثار انتقادات بشأن أهدافها الحقيقية.
وبحسب التحقيق، تحولت مبادرات "الحوار المدني" خلال السنوات الأخيرة إلى قطاع متنامٍ تقدر قيمته بنحو 200 مليون دولار سنوياً، مع إنشاء عشرات البرامج التي تعلن سعيها إلى تعزيز التعددية الفكرية وتشجيع النقاش بين أصحاب الآراء المتباينة داخل الجامعات الأميركية.
وأوضح التقرير أن ازدهار هذه المبادرات تسارع بصورة لافتة عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تبعه من احتجاجات واسعة في الجامعات الأميركية ضد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث لجأت العديد من إدارات الجامعات إلى هذه البرامج باعتبارها وسيلة للحد من التوترات داخل الحرم الجامعي.
تمويل من شبكات محافظة ومنظمات مؤيدة لإسرائيل
واستند التحقيق إلى دراسة أجراها تحالف بحثي يحمل اسم Uncivil، خلصت إلى أن 20 مؤسسة من أصل 23 تنشط في مجال "الحوار المدني" تتلقى دعماً مالياً من شبكات مرتبطة بسياسات محافظة أو منظمات داعمة لإسرائيل.
وأشار الباحثون إلى أن من بين أبرز الجهات الممولة مؤسسات محافظة معروفة مثل مؤسسة التراث ومعهد مانهاتن والجمعية الفيدرالية، إلى جانب منظمات مؤيدة لإسرائيل، من بينها رابطة مكافحة التشهير (ADL) والصندوق المركزي لإسرائيل، فضلاً عن مؤسسات مرتبطة بعائلة كوتش، التي لعبت دوراً بارزاً في تمويل مبادرات ذات توجهات محافظة داخل الجامعات الأميركية.
وأضاف التقرير أن الدراسة رصدت إنشاء مراكز أو برامج للحوار المدني في أكثر من 100 جامعة أميركية، مشيرة إلى أن نحو 70% منها واجهت اتهامات بالمساهمة في الحد من النشاط الطلابي المؤيد لفلسطين.
انتقادات تتهم المبادرات بتقييد النشاط السياسي
ورغم تقديم هذه البرامج على أنها مبادرات محايدة لتعزيز التواصل بين مختلف الأطراف، يرى منتقدون أنها أصبحت وسيلة لتقليص النشاط السياسي داخل الجامعات، وخاصة الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين.
وقالت المؤرخة الأميركية بيثاني مورتون، التي تدرس ما يعرف بـ"حروب الثقافة" في الجامعات، إن الدعوة إلى "التحضر" تبدو جذابة في ظاهرها، لكنها قد تخفي مشروعاً يهدف إلى الحد من الحراك السياسي داخل الحرم الجامعي.
ويرى منتقدون آخرون أن التركيز على تشجيع الطلاب على "الاستماع" بدلاً من "رفع أصواتهم" يمثل تحولاً في دور الجامعات التقليدي كمكان للنقاش السياسي والاحتجاج، خاصة في ظل تصاعد القيود المفروضة على الاحتجاجات المتعلقة بالحرب في غزة.
إدارة ترامب تدعم برامج الحوار
وأشار التحقيق إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خصصت 60 مليون دولار لدعم مبادرات "الحوار المدني"، بعد إعادة توجيه جزء من التمويل الفيدرالي الذي كان مخصصاً سابقاً لبرامج التنوع والشمول داخل الجامعات.
وربطت وزارة التعليم الأميركية، وفق التقرير، هذا التمويل بما وصفته بالحاجة إلى معالجة تداعيات الاحتجاجات الطلابية وأحداث العنف السياسي داخل الجامعات، معتبرة أن تعزيز الحوار يمثل أداة للحد من الاستقطاب.
الجامعات توسع اعتماد البرامج
وأوضح التقرير أن عدداً من الجامعات الأميركية الكبرى، من بينها هارفارد وييل وجامعة نيويورك، باتت تعتمد برامج تدريبية في الحوار المدني ضمن الأنشطة الموجهة للطلاب الجدد، فيما أدخلت بعض الجامعات تقنيات الذكاء الاصطناعي لتدريب الطلاب على إدارة النقاشات والخلافات.
وفي المقابل، أكد عدد من القائمين على هذه المبادرات أنهم لا يسعون إلى استبدال الاحتجاجات أو الحد من حرية التعبير، وإنما إلى توفير أدوات تساعد الطلاب على خوض نقاشات أكثر انفتاحاً واحتراماً، معتبرين أن الاستقطاب السياسي المتزايد يستدعي تطوير مهارات الحوار داخل المجتمع الجامعي.
جدل مستمر حول دور الجامعات
واختتمت الصحيفة تحقيقها بالإشارة إلى استمرار الانقسام حول جدوى هذه المبادرات، ففي حين ترى إدارات جامعية أنها تمثل وسيلة لتخفيف التوتر وتعزيز التفاهم، يعتبرها منتقدون جزءاً من معركة أوسع تدور حول حرية التعبير والنشاط السياسي داخل الجامعات الأميركية، لا سيما في القضايا المرتبطة بالحرب في غزة والحقوق الفلسطينية.






