لندن - مصدر الإخبارية
دعا السفير الفلسطيني لدى المملكة المتحدة حسام زملط إلى تدخل وزارة الخارجية البريطانية بعد أن أزال المتحف البريطاني الإشارات إلى فلسطين من معروضاته.
وكانت المملكة المتحدة قد اعترفت بدولة فلسطين في سبتمبر 2025، لكن في العام نفسه أزال المتحف اسم "فلسطين" من لوحة تُدرج الدول الحالية التي كانت تشملها بلاد الشام قديما، واستبدل بها قطاع غزة والضفة الغربية.
ونقلا عن صحيفة "الجارديان البريطانية"، طالب السفير زملط بإعادة الاسم، ودعا إلى إجراء مناقشات مع المتحف حول حذف كلمتي "فلسطين" و"فلسطيني" من اللوحات التوضيحية لعدد من المعروضات في قاعات المشرق القديم ومصر.
وقال زملط، إن ذلك يُعد "محوا" تاريخيا في وقت تشن فيه إسرائيل حملة تدمير ضد الفلسطينيين، اعتبرتها عدة منظمات حقوقية وتقرير صادر عن لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة إبادة جماعية.
وأشار إلى أن إسرائيل أزالت قطعا أثرية من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي سبتمبر من العام الماضي قصفت أهم مستودع لتخزين الآثار القديمة في مدينة غزة، ما أدى إلى تدمير ثلاثة عقود من العمل الأثري.
وقد دُعي زملط للقاء مدير المتحف، نيكولاس كولينان، وبعض القائمين عليه في 24 مارس، لكنه قال إنه لم يتلقَّ أي تعهد بإعادة التغييرات. وبدلاً من ذلك، عُرض عليه القيام بجولة في المتحف، وهو ما رفضه.
وكتب زملط إلى كولينان في رسالة بتاريخ 9 أبريل، اطّلعت عليها صحيفتا ذا غارديان ونيو لاينز ماغازين:
"في ظل غياب أي إجراءات تصحيحية، أو التزام واضح بمعالجة القضايا المحددة، لم يكن من المناسب مواصلة الانخراط بطريقة قد تُفسَّر على أنها تأييد للعرض الحالي”. وأضاف أنه مستعد لمواصلة النقاش، وسيرحب بجولة "حال إجراء التصحيحات اللازمة".
من جهته، قال المتحف البريطاني في بيان: "لم نُزِل مصطلح فلسطين من المعروضات، ونواصل الإشارة إليه في عدد من القاعات، سواء المعاصرة أو التاريخية، وكذلك على موقعنا الإلكتروني".
ويبدو أن هذا يتعارض مع أدلة مصورة على التغييرات، ومع تصريحات سابقة منسوبة إلى المتحف. ولا يزال اسم فلسطين موجودا في بعض المعروضات، مثل خرائط الشرق الأوسط القديم في قاعة مصر.
ومنذ اجتماع مارس، ناشد زملط وزارة الخارجية والتنمية البريطانية التدخل. ويُموَّل المتحف البريطاني من المال العام، لكن يديره مجلس أمناء مستقل يرأسه وزير الخزانة المحافظ السابق، جورج أوزبورن.
ويأمل السفير أن تدفع الحكومة البريطانية المتحف إلى التماشي مع اعترافها بفلسطين.
وقال زملط: "أرسلت برسالة إلى الوزير المسؤول في وزارة الخارجية، ونحن في انتظار الرد. بالنسبة إلي، هذه ليست مجرد قضية سياسية أو قانونية أو حتى تاريخية، بل قضية وجودية، لأن محو ماضينا هو محو لحاضرنا".
وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية: "تعمل المتاحف والمعارض في المملكة المتحدة بشكل مستقل عن الحكومة، ما يعني أن القرارات المتعلقة بإدارة مجموعاتها هي من اختصاص أمنائها".
ولم يوضح المتحف البريطاني حتى الآن أسباب هذه التغييرات، التي لم تصبح معروفة على نطاق واسع إلا بعد أن نشرتها صحيفة ديلي تلغراف في 14 فبراير، مشيرة إلى أنها جاءت بعد مخاوف أثارتها مجموعة ضغط تُدعى محامون بريطانيون من أجل إسرائيل.
وقالت المجموعة: إنها أرسلت برسالة إلى كولينان، تجادل فيها بأن "عدة خرائط ووصفا يطبّقان مصطلح ‘فلسطين’ بأثر رجعي على فترات لم يكن فيها كيان بهذا الاسم، ما قد يطمس تاريخ إسرائيل والشعب اليهودي".
إلا أن التغييرات سبقت رسالة المجموعة. وبحسب التقارير، لم يطّلع كولينان على الرسالة إلا بعد نشر تقرير التلغراف.
ولم يوضح المتحف مبرراته، لكن المجموعة نقلت عنه قوله إن "تجارب الجمهور أظهرت أن الاستخدام التاريخي لمصطلح فلسطين… لم يعد ذا معنى في بعض الحالات".
كما استُبدلت بكلمة “فلسطيني” كلمة “كنعاني” في لوحة تتناول حكام الهكسوس في مصر بين القرنين الثامن عشر والسادس عشر قبل الميلاد، بينما أُزيل ذكر فلسطين والفلسطينيين من نص عن الفينيقيين، الذين يصفهم النص الجديد بأنهم “كانوا يُعرفون محليًا بالكنعانيين”.
وأبدى باحثون في التاريخ القديم شكوكهم بشأن ضرورة هذه التغييرات. إذ تُذكر كنعان كثيرا في الكتاب المقدس، لكنها نادرا ما تظهر في نقوش معاصرة من العصر البرونزي المتأخر، وعندما تظهر فإنها تشير عادة إلى مجموعة متنوعة من الشعوب والمناطق على الساحل الشرقي للمتوسط.
أما "بلست" (Peleset)، التي يُعتقد أنها أصل اسم فلسطين، فتظهر في نقوش مصرية من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، في إشارة إلى جماعة في جنوب المشرق. وقبل ذلك، كانت أسماء مثل “دجاهي” و“رتنو” الأكثر شيوعا للمنطقة. وهناك أيضا نقوش لاحقة تذكر إسرائيل، بينما يُذكر مملكة يهوذا في نصب يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد. وقد استمرت هذه الكيانات لعدة قرون خلال العصر الحديدي، إلى جانب المدن الخمس في "فلسطيا"، ومنها غزة، التي ترد كثيرا في الكتاب المقدس العبري.
ويقول باحثون إن اسم "فلسطيا" أو "فلسطين" استمر عبر القرون اللاحقة، واستخدمه المصريون والآشوريون والفرس واليونانيون والرومان، وبقي متداولا حتى العصر الحديث.
وقالت الباحثة مارشيلا وارد، المحاضِرة في الدراسات الكلاسيكية بجامعة الجامعة المفتوحة: “قرار إزالة اسم فلسطين لا علاقة له بالدقة التاريخية، فهو ليس أقل دقة من أي مصطلح آخر، بل ربما يكون أكثر دقة نظرًا لكثرة استخدامه في المصادر التاريخية مقارنة بغيره”.
وتعقّد الصورة حقيقة أن الناس في العصور القديمة لم يفكروا بمفهوم الجنسيات كما هو اليوم، وأن الأسماء التي استخدمها الآخرون للإشارة إلى شعوب أو مناطق قد لا تعكس ما كانت تلك الشعوب تسمي به نفسها أو أرضها.
وترى جوزفين كوين، أستاذة التاريخ القديم في جامعة كامبريدج، أن محاولة ربط تسميات قديمة بما يجب أن يحدث اليوم هي أمر عبثي ومشوِّه.
وقالت: "الأمر المقلق بالنسبة لي هو الاعتقاد بأن لذلك أهمية، أو أن التصنيفات القديمة لها أي صلة مباشرة بسياسة اليوم، أو أنها يمكن أن تبرر أو تفسر الإبادة الجماعية في العالم المعاصر".