القاهرة - مصدر الإخبارية
أشاد الممثل الأعلى لمجلس السلام بقطاع غزة نيكولاي ملادينوف، بالدور المصري المحوري في إدارة ملف غزة، مؤكدًا أن القاهرة تمتلك فهمًا عميقًا وشاملًا لتعقيدات الوضع من جوانبه الفلسطينية والإسرائيلية والإقليمية، ما منح تحركات الوساطة استقرار ودعم جوهري للوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار.
وأكد الممثل الأعلى لمجلس السلام بقطاع غزة في مقابلة مع قناة القاهرة الإخبارية أن الدور المصري يظل حاسمًا ومحوريًا في هذه المرحلة التاريخية، نظرًا لما تمتلكه القاهرة من خبرة واسعة وحكمة ودبلوماسية عريقة في التعامل مع أعقد ملفات المنطقة، مشددًا على أن مصر هي الضمانة الأساسية لتفعيل التعهدات المرتبطة بوقف إطلاق النار وفتح معبر رفح.
ووصف ملادينوف الحراك الدبلوماسي الجاري في غزة بـ"السابقة التاريخية"، مشيدًا بالتعاون التشاركي الوثيق بين مصر والولايات المتحدة والدول الوسيطة لضمان الوصول إلى إدارة انتقالية فعالة، وأكد أن هذا المشروع "بالغ التعقيد" ويتطلب دقة متناهية لضمان تنفيذ الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار.
كما أكد الممثل الأعلى لمجلس السلام بقطاع، أن تحسين العمليات في معبر رفح وتسهيل إجراءات الدخول والخروج يمثلان ضرورة قصوى لإحداث تغيير ملموس في حياة سكان القطاع، واصفًا المعبر بأنه "شريان الحياة" الذي يجب أن يعمل بكفاءة أكبر لزيادة أعداد العابرين.
وشدد "ملادينوف"، في لقاء خاص لـ"القاهرة الإخبارية"، على أن التحدي الأبرز حاليًا يكمن في ضرورة "الوفاء بالالتزامات الإنسانية" التي جرى التعهد بها عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن هذه الالتزامات يجب أن تُنفذ بشكل مستدام ومتصاعد لضمان استمرار تدفق الإمدادات الإغاثية.
وأوضح الممثل الأعلى لمجلس السلام أن المجلس حدد مجموعة من المشروعات الإنسانية الحيوية التي انطلقت العام الماضي بالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمات دولية، لافتًا إلى أن دعم هذه المشروعات ماليًا هو السبيل الوحيد لمنح سكان غزة "قدرًا من الأمل" وتعزيز قدرتهم على الصمود في ظل الأوضاع الراهنة.
وأشار ملادينوف إلى أن الخبرة الأممية الواسعة في غزة تُعد ركيزة أساسية، لكنه استطرد قائلًا: "نحتاج للنظر بجدية في ملف تشغيل معبر رفح؛ فعدد العابرين حاليًا قليل جدًا، ونبحث عن سبل لتسهيل الإجراءات بما يضمن انسيابية الحركة من وإلى القطاع".
دور اللجنة الوطنية
حدد الممثل الأعلى لمجلس السلام بقطاع غزة طبيعة الدور المنوط باللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة القطاع، مؤكدًا أنها "هيئة انتقالية" وليست بديلًا عن السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية في رام الله، بل هي جسر للعبور نحو وضع سياسي جديد يضمن وحدة الأراضي الفلسطينية.
وقال: "هذه اللجنة ليست حكومة لغزة، وليست أداة لمجلس السلام لإدارتها، بل هي استجابة لمطالب شعبية وعربية لإنشاء هيئة من أبناء غزة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية، وتمهد الطريق لإعادة توحيد القطاع مع السلطة الشرعية".
وأوضح ملادينوف أن تفعيل دور اللجنة -التي تأسست في القاهرة في يناير الماضي- يتطلب خطط دقيقة وتمويل مستدام، مشيرًا إلى أن الجهد التحضيري يهدف لضمان عدم شعور أي طرف فلسطيني بالتهميش.
وأضاف أن الهدف هو تمكين اللجنة من تقديم الخدمات بشكل فعال وتحقيق تقدم ملموس على الأرض فور دخولها القطاع.
وأعرب الممثل الأعلى لمجلس السلام عن أسفه لتأخر دخول اللجنة إلى غزة بسبب "العقبات القائمة"، مؤكدًا أن العمل جارٍ بشكل يومي لتذليل هذه العوائق، متابعا: "كنا نتمنى دخول اللجنة منذ اليوم الأول، ونحن نعمل جاهدين لتمكين أعضائها من تولي مسؤولياتهم وتقديم الخدمات للسكان الذين يعانون من أوضاع مأساوية".
وحذر من خطورة استمرار تقسيم القطاع نتيجة سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحته، مؤكدًا أن الهدف الإستراتيجي للمرحلة الراهنة هو تهيئة الظروف لانسحاب عسكري كامل وإعادة توحيد غزة مع الضفة الغربية ضمن كيان سياسي واحد.
وفي الإطار، أوضح ملادينوف أن وجود الجيش الإسرائيلي داخل غزة أدى إلى تعقيد الأوضاع الميدانية والإنسانية بشكل غير مسبوق.
وشدد على أن "اللجنة الوطنية" لن تتمكن من العمل بفعالية إلا إذا سُمح لها بالتحرك في جميع أنحاء القطاع من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب دون عوائق عسكرية.
سابقة تاريخية
وأكد على أن العمل يجري على مدار الساعة لتذليل العقبات الميدانية، مشيرًا إلى أن الدمار الهائل الناتج عن العمليات العسكرية خلق أزمة إنسانية معقدة تتطلب استجابة دولية منسقة، تمهد الطريق لخروج القوات الإسرائيلية واستعادة الوحدة الجغرافية والسياسية للأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأشار ملادينوف إلى الدور الفاعل للولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب قطر وتركيا، في الحفاظ على الاتفاق ودفع مساراته للأمام، فيما اعترف بـ"قلقه الأولي" بشأن كيفية التنسيق بين تعدد الأطراف والمنظورات، إلا أنه وجد "هدفًا مشتركًا" يجمع الجميع وهو مصلحة الشعب الفلسطيني.
وشدد الممثل الأعلى لمجلس السلام على أن الهدف النهائي للتحركات الجارية ليس مجرد إدارة للأوضاع الإنسانية أو الجوانب الأمنية، بل يجب أن يقود في النهاية إلى "حل سياسي كامل" للقضية الفلسطينية، لافتًا إلى أن الأزمة الحالية هي نتاج تراكمات تاريخية ممتدة عبر أجيال، ولم تكن وليدة اللحظة أو العقدين الأخيرين.
وأوضح ملادينوف أن الالتزامات تجاه قطاع غزة "ضخمة وحساسة"، وتتطلب تعاملًا دقيقًا مع ملفات تراكمت لسنوات طويلة.
وأثنى على حالة التكامل والتنسيق بين الوسطاء والدول المعنية، مؤكدًا أن وحدة الهدف بين الدول المنخرطة في الملف هي المحرك الأساسي لإنجاح المسار السياسي وتجاوز التعقيدات الميدانية.
وأقر "ملادينوف" بصعوبة ضمان الالتزام الكامل بالاتفاقات، لكنه شدد على ضرورة وجود وسطاء فاعلين لمراقبة تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، التي تشمل وقف العمليات العسكرية، وزيادة تدفق المساعدات، والسماح بإزالة الأنقاض لتمكين الحياة من العودة إلى طبيعتها في غزة.
وكشف ملادينوف عن وجود حوار "مستمر وجيد" مع جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك التواصل مع الفلسطينيين في غزة والفصائل السياسية، ومن بينها حركة حماس.
وأكد أن "البوصلة الوحيدة" التي تحرك مجلس السلام هي خدمة الشعب الفلسطيني وتلبية احتياجاته بعيدًا عن التجاذبات السياسية، قائلًا: "هدفنا الأساسي هو الإنسان الفلسطيني بغض النظر عن اختلاف الفصائل".
ودعا ملادينوف إلى توحيد الصف الفلسطيني كضرورة ملحة لتقديم المساعدة الفعالة لسكان القطاع، مؤكدًا أن معالجة الأزمة الإنسانية تتطلب التزام واسع وشامل من الجميع.
وأشار إلى أن معبر رفح سيظل الشريان الذي يتطلب تنسيق فائق الدقة لضمان استدامة العمليات الإغاثية والوفاء بالالتزامات التي تم التوصل إليها.
كما أكد ملادينوف، أن الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، تلعب دورًا فريدًا ومحوريًا في إدارة ملف غزة، يستند إلى "أصول إستراتيجية" تجعلها الطرف الأكثر قدرة على صياغة مستقبل القطاع، مشددًا على أن احتضان القاهرة للنقاشات الجارية يبعث برسائل طمأنينة للمجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.
ركائز الدور المصري
وفي معرض حديثه، لخص "ملادينوف" قوة الدور المصري في ثلاثة محاور رئيسية، وهي الانفتاح الدبلوماسي من خلال القدرة الفائقة على التواصل مع كل الأطراف (فلسطينيًا وإسرائيليًا وإقليميًا ودوليًا)، والخبرة الميدانية من خلال الفهم العميق والمفصل لتوازنات الوضع على الأرض داخل قطاع غزة، وأخيرًا الدعم اللوجستي والسياسي من خلال القدرة الطبيعية على دعم "اللجنة الوطنية" في تنفيذ المهام الحاسمة ميدانيًا.
وكشف ملادينوف أن التنسيق مع مصر لا يتوقف عند تسهيل حركة العبور عبر معبر رفح، بل يمتد لملفات "فنية وسيادية" بالغة الحساسية، أبرزها إعداد قوة الشرطة الفلسطينية، ووضع الآليات التنفيذية لعملية إعادة الإعمار، وهي ركائز أساسية لضمان استقرار القطاع في المرحلة الانتقالية.
وأوضح الممثل الأعلى لمجلس السلام أن الموقع الجغرافي لمصر ووجودها المباشر على حدود غزة يمنحها "حق طبيعي" وقدرة فريدة لا تمتلكها أي دولة أخرى لإدارة هذا الملف.
وذكر أن التعامل مع المرحلة الراهنة يتم بروح من "الواقعية السياسية" مع مراعاة دقيقة لتعقيدات المشهد، مؤكدًا أن وجود الملف في عهدة القاهرة هو الضمانة الأكبر للنجاح.
كشف "ملادينوف" أن المحادثات التي تستضيفها القاهرة حاليًا بلغت مرحلة "الحسم" لتنفيذ بنود خطة الرئيس دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة، مؤكدًا أن النقاشات تتركز الآن على صياغة الترتيبات النهائية لانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى "غلاف غزة"، وتسليم إدارة القطاع كاملًا للجنة الوطنية الفلسطينية.
وأوضح أن المرحلة الأولى التي شملت وقف القتال وتبادل المحتجزين والأسرى أُنجزت، لكنها لم تحقق التحسن الإنساني المنشود، مضيفًا أن "مرحلة التنفيذ الكامل" الجاري بحثها في القاهرة تهدف لضمان وصول المساعدات وإعادة الإعمار لجميع أنحاء القطاع دون تجزئة، وإنهاء الحالة العسكرية الحالية.
وحذر الممثل الأعلى لمجلس السلام من خطر تصاعد "القتال الداخلي" بين الفصائل الفلسطينية، مشددًا على أن أحد أهم أهداف الإدارة الانتقالية هو ضمان الاستقرار الأمني والإداري.
وأكد أن هذه الخطوات مصممة لتقريب غزة من السلطة الفلسطينية الشرعية وليس فصلها عنها، تمهيدًا لإعادة توحيد الأراضي الفلسطينية تحت مظلة السلطة بعد إجراء الإصلاحات اللازمة.
وأشار إلى أن هذه الملفات تُدار تحت ضغوط ميدانية هائلة، محذرًا من أن "كل يوم تأخير يفاقم الكارثة الإنسانية".
ولفت إلى أن العالم ينظر إلى مفاوضات القاهرة بوصفها الفرصة التاريخية للانتقال من "إدارة الأزمة" إلى "التسوية الشاملة" التي تضمن انسحاب القوات المحتلة واستعادة السيادة الفلسطينية على القطاع.
ووصف "ملادينوف" الحرب التي شهدها القطاع على مدار عامين بـ"الفظيعة"، مؤكدًا أنها لم تكتفِ بتدمير البنى التحتية، بل تسببت في تعميق الفجوة الإنسانية والسياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مستويات غير مسبوقة من التباعد وانعدام الثقة.
وأكد أن المعاناة كانت قاسية على جميع الأطراف، لكنها بلغت ذروتها لدى الفلسطينيين في غزة الذين واجهوا القصف المستمر لعامين، في حين تأثر الجانب الإسرائيلي بتداعيات أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها، ما خلق بيئة مشحونة بالشك المتبادل حول جدية تنفيذ أي التزامات مستقبلية.
وأشار الممثل الأعلى لمجلس السلام إلى أن غياب اليقين بتنفيذ التعهدات يمثل العائق الأكبر أمام المشهد الحالي، مشددًا على أن المسؤولية الكبرى تقع الآن على عاتق الدول الوسيطة لإعادة بناء الثقة تدريجيًا عبر وضع أطر وإجراءات صارمة تضمن الانتقال من الوعود السياسية إلى التنفيذ الفعلي على الأرض.
وشدد على أن الهدف النهائي للوسطاء هو إرساء القواعد والخطط اللازمة التي تتيح تنفيذ "خطة الرئيس دونالد ترامب" بشكل كامل وفعّال، معتبرًا أن الدبلوماسية المتدرجة هي السبيل الوحيد لاحتواء تداعيات العامين الماضيين وضمان استدامة أي اتفاق سلام قادم.
وذكر الممثل الأعلى لمجلس السلام بقطاع غزة أن المسار الواقعي والنهائي الذي يعمل عليه المجتمع الدولي هو عودة السلطة الفلسطينية لتولي دورها الأكبر في قطاع غزة، مشددًا على أن هذا التوجه يمثل جوهر النقاط (18 و19 و20) من خطة الرئيس دونالد ترامب التي أقرها مجلس الأمن الدولي.
نظريات الانفصال
وحذر ملادينوف من خطورة التشكيك المسبق في إمكانية إعادة توحيد الأراضي الفلسطينية، معتبرًا أن الترويج لاستحالة الوحدة قد يحول هذا التصور إلى واقع مرير، ومؤكدًا أن الهدف الإستراتيجي هو إنهاء الأزمة السياسية وليس مجرد إدارة الجوانب الأمنية أو الإنسانية.
وحول ملف إعادة الإعمار، قدم ملادينوف رؤية مغايرة، مؤكدًا أن الهدف ليس مجرد إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل بناء "واقع جديد وأفضل" مما كان عليه القطاع قبل السابع من أكتوبر، إذ كان يعاني بالفعل من حصار وظروف اقتصادية خانقة، موضحًا: "نسعى لبيئة محفزة تمنح الفلسطينيين فرصًا حقيقية في العمل والتعليم والسفر والتنمية".
وأشار الممثل الأعلى لمجلس السلام إلى أن غزة تمثل ركيزة أساسية لمستقبل الشعب الفلسطيني، وأن الوصول إلى "التسوية السياسية الشاملة" يتطلب جهدًا جماعيًا وتنسيقًا واسع يشارك فيه الفلسطينيون والإسرائيليون والمجتمع الدولي، لضمان انتقال القطاع من وضع "إدارة الكوارث" إلى وضع "السيادة والتنمية".