تشهد السودان كارثة إنسانية متفاقمة مع دخول الحرب عامها الرابع، حيث أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الثلاثاء، أن عدد المفقودين تجاوز 11 ألف شخص منذ اندلاع القتال، في ظل معاناة نفسية عميقة تعيشها آلاف العائلات التي لا تزال تجهل مصير أبنائها.
وأكدت اللجنة أن عدد ملفات المفقودين ارتفع بأكثر من 40% خلال العام الماضي وحده، مشيرة إلى أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، في ظل صعوبة التوثيق وتفكك شبكات الاتصال نتيجة تدمير البنية التحتية.
وأوضح نائب المدير الإقليمي للجنة، جيمس رينولدز، أن النزاع أدى إلى نزوح أكثر من 11 مليون شخص، بينهم نحو أربعة ملايين فروا خارج البلاد، فيما ساهمت اللجنة في إعادة التواصل بين مئات العائلات عبر تسهيل أكثر من 560 ألف مكالمة هاتفية خلال عام 2025، داخل السودان وفي دول مجاورة مثل مصر وجنوب السودان وتشاد، كما تم حل نحو 1100 حالة اختفاء.
ومع ذلك، لا تزال آلاف الأسر تعيش حالة من القلق المستمر نتيجة انقطاع الأخبار عن أحبائها، في ظل غياب أي معلومات مؤكدة حول مصيرهم.
وفي موازاة ذلك، تتفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل حاد، إذ أسفرت الحرب، التي اندلعت في نيسان/أبريل 2023 بين الجيش وقوات قوات الدعم السريع، عن مقتل عشرات الآلاف، وانتشار الجوع والمجاعة في مناطق واسعة، خصوصًا في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق.
ووفقًا لبيانات برنامج الأغذية العالمي، يواجه أكثر من 19 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يحتاج نحو 34 مليون شخص، أي ما يقارب ثلثي السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
كما حذرت الأمم المتحدة من تصاعد العنف ضد المدنيين، حيث قُتل نحو 700 مدني منذ بداية العام جراء هجمات بطائرات مسيّرة، بحسب ما أعلن مساعد الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر، الذي اعتبر أن المجتمع الدولي فشل في التعامل مع الأزمة.
وفي السياق ذاته، أفادت يونيسف بأن الطائرات المسيّرة مسؤولة عن نحو 80% من حالات قتل أو إصابة الأطفال خلال الأشهر الأولى من العام، مشيرة إلى مقتل أو إصابة ما لا يقل عن 245 طفلًا في تلك الفترة.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الأمني والغذائي، بل امتدت إلى البنية التحتية الحيوية، حيث أشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن ما بين 70% و80% من المنشآت الصحية في مناطق النزاع أصبحت خارج الخدمة أو تعاني من نقص حاد في الموارد.
وفي هذا السياق، أكد رئيس بعثة اللجنة في السودان دانيال أومالي أن معاناة المدنيين بلغت مستويات غير مسبوقة، مع تضرر الأسواق والمستشفيات ومحطات المياه والطاقة، محذرًا من أن استمرار الوضع دون تدخل سيؤدي إلى تداعيات أكثر خطورة.
وفي تطور مقلق، حذرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من تصاعد العنف الجنسي بشكل منهجي، حيث يتم استخدامه كسلاح حرب، مع تضاعف عدد النساء والفتيات المحتاجات إلى الدعم أربع مرات منذ بداية النزاع.
وفي ظل هذا المشهد، دعت الأمم المتحدة إلى زيادة التمويل الإنساني بشكل عاجل، مشيرة إلى أن خطة الاستجابة التي تتطلب 2.9 مليار دولار لم تحصل سوى على 16% من التمويل حتى الآن، بينما تستعد برلين لاستضافة مؤتمر للمانحين يهدف إلى حشد الدعم الدولي وتخفيف حدة الأزمة.
وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة عمق الأزمة الإنسانية في السودان، حيث تتداخل معاناة النزوح والجوع والعنف مع انهيار الخدمات الأساسية، في ظل غياب حلول سياسية قريبة، ما يجعل البلاد أمام واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم اليوم.