عزات جمال .. كاتب فلسطيني
بينما تتجه أنظار العالم إلى التصعيد الإقليمي والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي والجمهورية الإسلامية في إيران، وما تحمله من تداعيات استراتيجية على التوازنات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، تتكشف على الأرض الفلسطينية تطورات خطيرة تشير إلى تصاعد واضح في عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة والضفة والقدس، في ظل تراجع مستوى المتابعة السياسية والإعلامية الدولية لما يجري.
في قطاع غزة، لم تتوقف العمليات العسكرية، ومعها تستمر خروقات وقف إطلاق النار، وما يرافقه من سقوط شهداء وجرحى بين المدنيين. إلا أن الخطر الأكبر الذي يهدد القطاع اليوم، إضافة إلى العمليات العسكرية، هو عودة القيود المشددة على إدخال المساعدات.
فقد وثقت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية أن الوضع الإنساني في غزة بات يقترب من مستويات كارثية. ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فإن أكثر من 2.2 مليون فلسطيني في القطاع يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والماء والرعاية الصحية. وتشير تقارير برنامج الغذاء العالمي إلى أن غالبية سكان القطاع يعانون من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تواجه آلاف العائلات خطر المجاعة نتيجة تراجع الإمدادات الغذائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية ونقص الوقود اللازم لتشغيل المرافق الحيوية.
وفي القطاع الصحي، يؤكد الإعلام الحكومي، كما تؤكد المنظمات الأممية، أن المستشفيات تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمعدات الطبية والوقود اللازم لتشغيل الأجهزة الحيوية.
وفي الوقت نفسه، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى تراجع واضح في حجم المساعدات التي يُسمح بدخولها إلى القطاع مقارنة بما يحتاجه السكان فعلياً، بما في ذلك الإمدادات الغذائية والمستلزمات الطبية الأساسية. ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن استمرار هذا التراجع قد يؤدي إلى انهيار أوسع في النظام الصحي والغذائي داخل القطاع.
أما على صعيد الضفة الغربية، فقد شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في اعتداءات المستوطنين النوعية ضد الفلسطينيين الآمنين. وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى تزايد الهجمات على القرى والبلدات الفلسطينية، والتي أسفرت عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى وتدمير الممتلكات، في ظل الاتهامات المتكررة من قبل هذه المنظمات الدولية لقوات الاحتلال بغض الطرف عن هذه الاعتداءات أو توفير الحماية للمستوطنين للقيام بالاعتداء.
ويأتي ذلك في سياق توسع مستمر للمشاريع الاستيطانية، حيث تسعى حكومة اليمين بقيادة سموتريتش وبن غفير إلى سن تشريعات وفرض وقائع جديدة على الأرض تعزز السيطرة الإسرائيلية على كامل الضفة الغربية.
أما القدس فليست في أحسن حال هي الأخرى، حيث تتخذ إجراءات الاحتلال الإسرائيلي بعداً سياسياً ودينياً بالغ الحساسية في شهر رمضان الكريم، فتعمد منذ اندلاع الحرب على إيران إلى إغلاق المسجد الأقصى ومنع المصلين المسلمين من الوصول إليه. ورغم ما يشكله المسجد الأقصى من رمز ديني وسياسي مركزي للأمة العربية والإسلامية، وعلى الرغم من أن التداعيات تتجاوز حدود المدينة لتؤثر في مجمل المشهد الإقليمي؛ إلا أن المستغرب هو غياب ردود فعل أو إدانات واضحة لهذا الاستخفاف بمشاعر المسلمين في شهرهم الفضيل.
قراءة هذه التطورات في سياقها السياسي الأوسع تشير إلى أن اللحظة الدولية الراهنة – حيث يتركز اهتمام العالم على الحرب على إيران – قد خلقت فراغاً في مستوى المتابعة الدولية لما يجري في فلسطين. وفي مثل هذه الظروف تتراجع الضغوط السياسية والتغطية الإعلامية، والخطورة أن هذا الواقع يمنح الاحتلال الإسرائيلي مساحة أوسع لتكريس وقائع ميدانية جديدة.
تاريخياً، كثيراً ما استغل الاحتلال الإسرائيلي لحظات التحولات الكبرى في العالم أو الإقليم، أو انشغال القوى الدولية بأزمات أخرى، لتسريع سياساته على الأرض، سواء في توسيع الاستيطان أو في تغيير الواقع في القدس أو في تشديد السيطرة الأمنية في الضفة الغربية.
واليوم يبدو أن هذا النمط يتكرر مرة أخرى. فبينما تتصدر الحرب الإقليمية العناوين الرئيسية في الإعلام الدولي وتحتل أولوية على الأجندة الدولية، تتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، وتتواصل الاعتداءات في الضفة الغربية، وتتصاعد الإجراءات العدوانية في القدس والمسجد الأقصى المبارك. وفي المحصلة، تكشف هذه التطورات حقيقة سياسية واضحة: قد تتغير أولويات العالم تبعاً للصراعات الكبرى، لكن الثابت أن المعاناة الفلسطينية تبقى حاضرة على الأرض، حيث تستمر الاعتداءات بالتوسع يوماً بعد يوم، حتى في أكثر اللحظات التي يبدو فيها العالم مشغولاً ومأزوماً، لا يألو الاحتلال الإسرائيلي جهداً ليعاقب الفلسطيني ويضيق عليه، طمعاً في كسر إرادته.